ثقافة وعقلية ذلك العصر ، ولكن في عصر خاتم الأنبياء فقد نزل آخر خطاب إلهيّ للبشرية كافّة على قلبه المبارك .
إنّ المقارنة بين القرآن الكريم والتوراة والإنجيل الحاليين ( رغم امتداد يد التحريف إليهما ) شاهد ناطق على هذا التفاوت العظيم ، فبالنسبة لمعرفة اللَّه وأدلّة التوحيد والصفات الإلهيّة فإنّ القرآن الكريم طرح قضايا هامة على هذا الصعيد لا توجد في أيّ من الكتب السماوية الأخرى ، بل حتّى لا يوجد فيها عُشر معشارها ، وبالنسبة للمسائل المتعلّقة بالمعاد ، وعلى حدّ قول بعض المحقّقين يوجد ألفي آية في القرآن تتحدّث عن المعاد وتفاصيله وحالاته ، فالقرآن الكريم تحدّث في هذا المجال بحيث لا يمكن تصوّر كلام آخر في هذا الشأن ، وفي البحوث الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والمسائل التي تتصّل بالحكومة وتاريخ القدماء ، فالقرآن الكريم زاخر بهذه البحوث ، ومن هنا يستوحي الإمام عليه السلام دليله في كلامه المذكور أعلاه ويقول : لا يوجد أحد كالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله بيّن للناس تعاليم الوحي السماوي والمعارف الإلهيّة بهذه الصورة اليانعة ، ولهذا ينبغي عليك أن تتمسّك بهذا القائد والمرشد بوصفه أفضل مرشد لطريق الخير والصلاح في واقع الحياة .
وينبغي الالتفات إلى أنّ مفردة « رائد » في الأصل تعني الشخص الذي يذهب للبحث عن المرتع والماء للماشية والدوابّ ، وعندما يكتشف وجود ماء وكلأ يعود ليخبر قومه ، ثمّ توسّعوا في استخدام هذه الكلمة وأطلقوها على الأشخاص الذين يمسكون بمقاليد الأمور في حياة الناس .
« القائد » في الأصل بمعنى الشخص الذي يمسك زمام الناقة ويقودها في المسير ، ثمّ اطلق على كلّ مَن يقود طائفة من البشر .
ويواصل الإمام عليه السلام تقسيم نصيحته لولده ويقول : « فَإِنِّي لَمْ آلُكَ « 1 » نَصِيحَةً . وَإِنَّكَ
هامش
( 1 ) . « آل » صيغة المتكلم الواحد ، من مادة « ألْو » على وزن « دلو » وهي في الأصل بمعنى التقصير ، وجملة « لم آلكنصيحة » تعني لم اقصر في اسداء النصح إليك ، واللافت أنّ هذا الفعل لازم لا يأخذ مفعول ، رغم أنّ البعض تصور أنّه يأخذ مفعولين ، المفعول الأول هو ضمير الخطاب « آلك » والمفعول الثاني « نصيحة » ، في حين أنّ النصيحة تمييز وضمير الخطاب متعلق بمحذوف وهو في الأصل « لَمْ آلُ لَكَ » .