تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
وبداية يقول الإمام عليه السلام : « وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ « 1 » وَشِقَاقِكُمْ « 2 » مَا لَمْ تَغْبَوْا « 3 » عَنْهُ ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ » . والحقيقة أنّ الإمام عليه السلام بهذا الكلام يعمل على إبطال حيلة معاوية وإجهاض تآمره هو وأتباعه ، فقد كان معاوية عازماً على إثارة أهالي البصرة ضدّ الإمام عليه السلام بتذكيرهم بمعركة الجمل ، ولكنّ الإمام عليه السلام بتذكيرهم بنتائج هذه المعركة عَمِل على إطفاء نار الفتنة والفساد ، وقال لهم : أنّكم كنتم أهل الشقاق وقد تحرّكتم في خطّ التمرّد والثورة ضدّ الخلافة الإسلاميّة ، ولكن بعد أن حلّت بكم الهزيمة لم أصدر الأمر بقتلكم ، ولم أسمح بتعقّب الهاربين منكم ، وأصدرت العفو العام عنكم وصفحت عن المجرمين منكم ، وقبلت الأشخاص الذين جاءوا إليَّ نادمين وطويت صفحة الماضي ، وتناسيت ما ارتكبوه من أعمال ، وعلى هذا الأساس فينبغي أن تكونوا ممَّن يلتزم بالقيم الأخلاقية ، ولا يردّ الجميل بالإساءة ولا يقيم العلاقة مع أعدائه . وجاء في بعض الروايات أنّ الإمام عليّ عليه السلام بعد انتصاره في معركة الجمل أمر منادياً ينادي بصوت عالٍ : « لَا تُتْبَعُوا مُوَلِّياً وَلَا تُجهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ » « 4 » . ثم أمر منادياً ينادي : « مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِن » « 5 » ، وهذا الأمر يشبه ما أصدره رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من العفو العام عند فتح مكة . ثمّ إنّ الإمام عليه السلام ولغرض إطفاء نار الفتنة هذه ، تحدّث عن الشدّة والحسم في مقابل الأشخاص المعاندين والانتهازيين وقال : فَإِنْ خَطَتْ « 6 » بِكُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ ،
هامش
( 1 ) . « حَبْل » أصله بمعنى العهد والذمة ، ثم اطلق على كل شيء مفتول ، وجملة « انْتِشارُ حَبْلِكُم » كناية عن التفرق‌وتشتت الجماعة . ( 2 ) . « شقاق » في الأصل تعني العداوة والكراهية ، وهنا جاءت بمعنى نقض العهد وترك البيعة . ( 3 ) . « تغبوا » من « الغباوة » بمعنى الجهل والغفلة ، وعلى ضوء ذلك فإنّ جملة « لَمْ تَغْبَوْا عَنْه » تعني أنّكم لستم غافلين عنه . ( 4 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 32 . ( 5 ) . المصدر السابق ، ص 12 ، ح 2 . ( 6 ) . « خطت » من « الخَطو » على وزن « خَتم » بمعنى تقديم القدم في المشي ، و « خطوة » بمعنى تقديم القدم مرّةواحدة بحيث توجد فاصلة بين القدم في حال المشي ، وهذه المفردة تتعدى بالباء ويكون مفهوم الجملة مورد البحث أنّ الأفكار المهلكة والآراء السخيفة والمفسدة تقودكم إلى المخالفة والتمرد .