من هذا المنطلق يسحب الإمام عليه السلام البساط من تحت معاوية ويخرجه عن هذا الميدان ، ويحسب ذلك نوعاً من الفضول والتدخّل في أمور الآخرين ، ويقول : إنني إذا كانت لديّ مشكلة مع الخلفاء فيجب عليهم أو أبنائهم أن يدّعو مثل هذا الإدّعاء ، وأمّا أنت ، فمن الطلقاء وقد قبلت بالإسلام مضطراً في آخر مرحلة ، في فتح مكة ، فلا حقّ لك في التدخّل في مثل هذه المواضيع .
ويستند الإمام عليه السلام في كلامه هذا إلى عجز بيت لشاعر عربي هو ( أبو ذؤيب الهذلي ) الذي كان أدرك عصر الجاهلية والإسلام ، وعندما هاجر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله إلى المدينة جاء إليه وأسلم على يده وصار من المسلمين الصالحين ، وصدر البيت هو :
وَعَيَّرَها الْواشُونَ أنّى أُحِبُّها
فيقول إنّ سعاية الواشين بحبّه لها لا يعدّ عيباً ، ولو كان هناك عيب وعار فهو بعيد عنك .
وهذا الشعر أضحى مثلًا يضرب به لمن يحسب أمراً سيّئاً في حين أنّه لا يرتبط به .
وجملة : « زَعَمْتَ » تعني أوّلًا : أنّ هذه النسبة التي تدّعي أنني حسدت الخلفاء نسبة كاذبة وفرية واضحة ، ولا سيما أنّك زعمت في كلامك أنني شريك في قتل عثمان ، والحال أنني كنت أذبّ عنه وأنهى الناس عن قتله ، وثانياً : على فرض أنّ هذه النسبة صحيحة فهي لا تتعلّق بك .
ويستمرّ الإمام عليه السلام في كلامه ويجيب عن قسم آخر ممّا كتبه معاوية في رسالته :
« وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ « 1 » حَتَّى أُبَايِعَ ؛ وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ ! » .
وهو إشارة إلى أنّك أولًا : تعترف بأنني وقعت مظلوماً وأنّ الآخرين ظلموا حقّي
هامش
( 1 ) . « المخشوش » في الأصل يقال للجمل الذي ثقب أنفه وادخل فيه حبل أو خشبة متصلة بحبل ، فعندمايسحب ذلك الحبل يميل هذا الحيوان معه حيثما مال ، لأنّه لا يستطيع مقاومة الألم الناشئ من جرّ هذا الحبل .