إيّاها - إلى أن قال - ياأسماء ألا ابشّركِ ؟ قالت : بلى ، بأبي أنت وامّي ، قال صلى الله عليه وآله : فإنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنّة ، قالت : بأبي أنت وامّي يا رسول اللَّه ، فأعلم الناس ذلك ، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأخذ بيدي يمسح بيده على رأسي حتى رقى على المنبر ، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى ، والحزن يعرف عليه ، فتكلّم وقال : « إنّ المَرْءَ كَثِيرٌ بأخِيهِ وابنِ عَمِّه ، ألا إنَّ جَعْفراً قَدِ اسْتُشْهِدَ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ جَناحَيْنِ يَطيرُ بِهِما فِى الْجَنَّةِ » « 1 » .
وبعد أنّ يستعرض الإمام عليّ عليه السلام هذين الموردين المتميّزين من فضائل بني هاشم ، يتحدّث ببيان كلّي ، ويقول : « وَلَوْ لَامَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا تَمُجُّهَا « 2 » آذَانُ السَّامِعِينَ » .
وهذا إشارة إلى أنّ فضائلنا أهل البيت عليهم السلام قد ملأت الخافقين وليست فضيلة واحدة أو عدد قليل من الفضائل ، بل هي من الشهرة والشياع إلى درجة أنّه لا يعرفها المؤمنون فحسب ، بل حتّى المنافقين والغرباء عن الإسلام على معرفة بها وقد سمعها الكثير من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ، وإن كنت ( معاوية ) لا تعرفها ، ولكن نظراً لحمل البعض بذكر هذه الفضائل ، على مدح الذات وتزكية النفس ، فأنا أكتفي بهذا المقدار وأغضّ النظر عن سائر الفضائل الكثيرة ، وأترك الحكم إلى المؤمنين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله الخاصين حيث يتواجد الكثير منهم لحدّ الآن بين المسلمين .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في نهاية هذا المقطع من الرسالة يهيب بمعاوية ويقول : « فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ « 3 » فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا » .
هامش
( 1 ) . شرح نهجالبلاغة للتستري ، ج 3 ، ص 111 ؛ شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 15 ، ص 71 .
( 2 ) . « تَمَجُّ » من مادة « مج » على وزن « حج » بمعنى قذف شيء من السوائل من الفم ، ثم استخدمت هذه المفردة في سماع الكلام غير الملائم ، والجملة أعلاه تعني أنّ الآذان لا تمتنع ولا تأبى استماع هذه الفضائل بل تقبلها .
( 3 ) . « رَمِيّة » بمعنى الصيد الذي يناله الإنسان بالرمي ، وجمعه « رمايا » ، وجملة « مَنْ مالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ » إشارة إلى الشخص الذي يطلب صيداً ويجعله ذلك الصيد ينحرف عن مساره الأصلي وربّما يتيه في الصحراء ، فيقول الإمام عليه السلام بهذا الكلام لمعاوية إنّ أشخاصاً مثل عمرو بن العاص يطلبون صيداً من المقام والمال والجاه ، ولذلك انحرفوا عن جادة الحق ولا ينبغي أن تسلم زمام أمورك بيد هؤلاء الظالمين .