وسوء معاملته للرعيّة ، في البداية أشار الإمام عليه السلام إلى العنف ، والأخرى إلى القساوة وعدم الشفقة ، والثالثة تحقير هؤلاء الرعية ، والرابعة سوء معاملته لهم ، وبالرغم من أنّ هذه المفاهيم تتماثل وتقترب في المضمون ، لكن هناك فروق دقيقة بينها ، ولذلك أشار الإمام عليه السلام إلى جميع هذه الأمور وأعلن بعد ذلك عن رأيه المبارك في القضية ، وهو أنّه من جهة ينبغي الالتفات إلى أنّ هؤلاء مشركون ، لأنّ المجوس يعتقدون بالثنوية والمصدرين للخلق ، وهما يزدان وأهريمن مصدرا الخير والشر ، ورغم أنّ الزرادشتين في هذا العصر يدّعون أنّهم موحّدون وغير مشركين ، ولكن المنابع الدينية لهم تقرّر خلاف ذلك ، وعلى أيّة حال فالإمام عليه السلام مع ملاحظة التفاوت الاعتقادي بينهم وبين المسلمين ، ينهى عن الاقتراب منهم أكثر من الحدّ اللازم ، وفي ذات الوقت يذكّر الوالي بهذه النقطة ، وهي أنّ هؤلاء من أهل الذمّة يعني أنّهم يعيشون مع المسلمين من موقع الصلح والسلم ويتعهدون باحترام الإسلام وأحكامه الإلهيّة ، والحكومة الإسلاميّة بدورها تتعهد بالدفاع عنهم وعن أعراضهم وأموالهم وتتعامل معهم بلغة العطف والإحسان ، وعلى هذا الأساس فإنّ استخدام القسوة وسوء التعامل معهم يعتبر منافياً للشرع والخلق الإسلامي .
ثم يبيّن الإمام عليه السلام هذه الحقيقة ويقول : « فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً « 1 » مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ ، وَدَاوِلْ « 2 » لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاءِ ، وَالْإِبْعَادِ الْإِقْصَاءِ . إِنْ شَاءَ اللَّهُ » .
وبديهيّ أنّ مثل هذا الأسلوب في التعامل مع غير المسلمين الذين يعيشون في
هامش
( 1 ) . « جلباب » بكسر وفتح الجيم ، ذكروا لهذه الكلمة معانٍ مختلفة فتارة تأتي بمعنى العباءة والملحفة ، وأخرىالمقنعة وغطاء الرأس ، والثالثة الثوب الطويل والواسع ، وفي الرسالة مورد البحث قصد بها الكناية ، والمراد الغطاء واللباس المعنوي الذي يرتديه المدير والقائد لجماعة من الناس حيث يوصيه الإمام عليه السلام بلزوم التحلّي بحالة تقترن فيها الشدة باللين .
( 2 ) . « داوِل » صيغة أمر من « المُداولة » بمعنى تحويل الأمر من شخص لآخر بإدارته وإدارة الأمر واستبدال شيءبشيء أو شخص بدل شخص آخر ، والمراد من هذه المفردة من العبارة أعلاه أن تتعامل معهم أحياناً بالمودة والمحبة وأخرى بشيء من القسوة والشدّة .