ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى التوصية الثانية ، ويقول : « وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ » .
فتعدّد الجهات ومحاور القتال من شأنه إضعاف قوّة الجيش وبعثرة طاقاته فيكون من اليسير إيجاد ثغرة في صفوفه ، ولهذا السبب فإنّ أحد فخاخ العدو في الماضي والحاضر لكسر مقاومة المخالفين ، السعي لإيجاد جبهات متعدّدة في الميادين العسكرية أو السياسية لإضعاف قوّة الخصم وتشتيت طاقاته ، وربّما لا يكون المراد من جبهتين مختلفتين بأن تكون جبهة واحدة إلى الشرق أو إلى الغرب مثلًا ، بل يتمّ التحرّك على جبهتين بشكل دائرة تذهب مجموعة من جهة يمين العدو ومجموعة أخرى من جهة الشمال لمحاصرة العدوّ بشكل تامّ .
ثم إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى التوصية الثالثة ويقول : « وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي « 1 » الْجِبَالِ ، وَمَنَاكِبِ « 2 » الْهِضَابِ ، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ » .
يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى أمرين مهمّين لابدّ من الأخذ بهما بالحسبان ، أحدهما قمم الجبال والأخرى أعالي الهضاب والمرتفعات ، لأنّ هذه المواقع تتمتّع بإشراف كامل على جميع الجهات ، فالشخص الناظر من هذا الموقع يستطيع رؤية جميع النقاط التي يتحرّك فيها الجيش .
والتعبير ب « مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ » ناظر إلى احتمال هجوم الأعداء بغتة ، ويكون من المنطقة المتوقعة منها ، وعلى ضوء ذلك يجب على المراصد أن ترى جميع هذه النقاط .
ويشير الإمام عليه السلام في التوصية الرابعة إلى إحدى التقسيمات المهمّة للجيش التّي
هامش
( 1 ) . « صياصي » جمع « صيصية » أو « صيصة » وهو في الأصل بمعنى المشط الذي يستخدمه الحائك لتعديل وتنظيم القماش ، أو الظفر الزائد في أقدام بعض الطيور ، ثم اطلق على القلاع المحكمة على قمم الجبال وكذلك تطلق على قمّة الجبل ، وفي العبارة أعلاه وردت بمعنى الأخير .
( 2 ) . « مناكب » جمع « منكب » على وزن « مغرب » بمعنى الأكتاف ، بالنظر إلى أنّ الهضاب جمع هَضَبَة ( على وزن عَقَبَة ) تأتي بمعنى الجبال المسطحة التي تفتقد القمم ، فإنّ « مناكب الهضاب » تعني الأقسام العليا من هذه التلال المرتفعة والتي هي بمثابة الأكتاف للجبل .