ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يرسم مستقبل معاوية وأعوانه والحرب ضدّهم ويتنبّأ له بالأفق المظلم ويقول : « فَكَأَنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ « 1 » ضَجِيجَ الْجِمَالِ « 2 » بِالْأَثْقَالِ » .
وكما هو معلوم فإنّ هذه النبوءة قد تحقّقت على أرض الواقع في معركة صفّين عندما ضيّق جيش الإمام الخناق على جيش معاوية ، ووصل مالك الأشتر على مقربة من سرادق معاوية ، ولم يبق إلّاالقليل ليصل إليه ويقتله ، وفي ذلك الوقت ارتفع صراخ معاوية وأتباعه طالبين إنهاء القتال برفع المصاحف .
وفي تنبّؤ آخر يقول الإمام عليه السلام : « وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْمُتَتَابِعِ ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ ، إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَهِيَ كَافِرَةٌ جَاحِدَةٌ ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ « 3 » » .
وهذا التنبُّؤ وقع أيضاً بشكل كامل عندما رأى جيش الشام أنّهم عاجزون عن مجابهة أنصار الإمام عليّ عليه السلام وعاشوا المحنة والقتل المتتابع في صفوفهم ، رفع جماعة منهم مع عمرو بن العاص المصاحف على رؤوس الرماح وقالوا : إننا نسلّم أمرنا إلى كتاب اللَّه ونحتكم إليه في هذا الأمر ، في حين أنّ هذه الجماعة من أهل الشام لا يعتقدون بكتاب اللَّه ويكفرون بما أنزل اللَّه ، لأنّهم لم يبايعوا إمام الحقّ ، وفيهم جماعة أخرى ممّن بايع الإمام عليه السلام ولكنّهم نكثوا بيعتهم خلافاً لجميع الأصول والمبادىء الإسلاميّة المعروفة والتقاليد العربية ، والتحقوا بمعاوية وأعداء الإمام في هذه الواقعة .
وطبعاً ربّما يثير البعض هذا السؤال ، وهو أنّ تعبير الإمام عليه السلام هذا يفتح المجال أمام استغلال الأعداء لكتاب اللَّه عندما يشاهدوا نهايتهم المخزية على الأبواب ،
هامش
( 1 ) . « عضّ » من « العضّ » بمعنى الامساك بالأسنان .
( 2 ) . « جمال » جمع « جمل » بمعنى الإبل ؛ مثل « جبال » جمع « جبل » .
( 3 ) . « حائدة » بمعنى المائلة عن الطريق المستقيم من مادة « حيد » على وزن « صيد » أي الميل إلى أحدى الجهات ، وهذه المفردة تأتي بمعنى نقض البيعة .