تأمّلان
1 . البكاء على الأعزّة
يستفاد من هذه الخطبة والروايات ، عدم المنع من البكاء على مصاب الأعزّة .
والمنع يقتصر على الجزع والجحود ، فقلب الإنسان بؤرة العواطف والتي تؤثر عليه سيما حين تشتد . فإذا فقد عزيزاً اضطرب القلب وجرت الدموع ويختنق الإنسان بعبرته وينطلق اللسان لبيان شوقه ولهفته للعزيز الفقيد ، هذه الأمور جميعاً ليست ممنوعة ، بل ممدوحة شريطة اقترانها بالصبر ، والممنوع أن يجزع الإنسان ويضرب رأسه بالجدار ويخمش وجهه وينطلق لسانه بالباطل .
ففي الخبر : لما بلغ النّبي صلى الله عليه وآله استشهاد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة ( في موقعة مؤتة ) بكاهما وقال : « إِنِّهُما كَانا يُحدِّثانِي وَكُنتُ آنسُ بِهِما فَماتَا مَعاً » « 1 » .
كما ورد في غزوة أحد أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لما رجع إلى المدينة وكان يسمع كلّ بيت يبكي قتيله سوى بيت عمّه حمزة ، غضب وقال : « وَلَكِن حَمزةَ لابَواكِي لَهُ » .
فلما سمع أهل المدينة ذلك أقسموا أن لا يبكوا أحداً حتى يبكوا على حمزة . وقد استمرت هذه السّنّة حتى اليوم ( حين حديث الإمام الباقر عليه السلام ) « 2 » .
كما وردت عن المعصومين عليهم السلام عدّة روايات في النهي عن الجزع ، ومنها أنّ أمير المؤمنين علي عليه السلام قال : « إنَّك إنْ صَبَرْتَ جَرَتْ عَلَيْك الْمَقاديرُ وَأنْتَ مَأجُورٌ وَإنْ جَزِعْتَ جَرَتْ عَلَيْك الْمَقاديرُ وَأنْتَ مَعْذورٌ » « 3 » .
لا ينبغي أن ننسى أنّ الجزع ناهيك عن كونه نوعاً من جحود اللَّه ، فهو ينطوي على آثار سيئة تصيب أعصاب الإنسان وتسوقه أحياناً إلى حدّ الجنون .
هامش
( 1 ) . من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 177 ، ح 527 .
( 2 ) . المصدر السابق ، ص 183 ، ح 553 .
( 3 ) . مستدرك وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 431 ، ح 40 .