قال الإمام الباقر عليه السلام : « إنْ اصِبْتَ بِمُصيبَةٍ في نَفْسِك أوْ في مالِك أوْ في وَلَدِك فَاذْكُرْ مُصابَك بِرَسُولِ اللَّه فَإنَّ الْخَلائِقَ لَمْيُصابُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ » « 1 » .
ثم أشار عليه السلام إلى قضية أخرى فقال : « وَلَوْ لَا أَنَّك أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ ، لَانْفَدْنَا « 2 » عَلَيْك مَاءَ الشُّؤونِ ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً ، وَقَلَّا لَك ! » .
وبالنظر إلى أنّ شؤون ، جمع شأن التي تعني هنا غدد الدموع فمراد الإمام عليه السلام لولا أنّك نهيتنا عن البكاء والجزع لبكيناك حتى ينضب ماء عيوننا ، لكننا تعلمنا منك الصبر والجلد ، فقد بكيت ولدك إبراهيم حين توفي لكنك لم تجزع ، وهذا ما فعلته بمصاب عمّك حمزة ومن هنا علمتنا الصبر .
و « المماطل » : المدين الذي يؤخر أداء الدين ، ويقال : داء المماطل للمرض الذي لا علاج له والذي يشبه ذلك المدين .
و « الكمد » : الحزن الباطني ، والمحالف : من يعاهد غيره ويفي بالعهد ، فكمد محالف بإشارة إلى الحزن الباطني الثابت .
ويشير ضمير المثنى في ( قَلّا لك ) إلى ذلك الداء والكمد ؛ أيأنّ ألم مصابك وحزنه الدائم لا شيء أيضاً إزاء عظمة مصيبتك .
ثم قال عليه السلام : « وَلَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَك رَدُّهُ ، وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ ! » . فالبكاء والجزع لا يجدي نفعاً ولابدّ من الصبر والرضا برضى اللَّه .
ثم عبر في الختام أيضاً عن حبّه للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وتعلقه به فقال : « بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّك ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِك « 3 » » .
ومفهوم هذه العبارة أنّ روحك الطاهرة عرجت إلى الملكوت الأعلى جوار الربّ . فادع لنا هناك واسأل اللَّه قضاء حوائجنا واستحضرنا على الدوام .
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 220 ، ح 2 .
( 2 ) . « انفدنا » من « النفاد » انتهاء الشيء و « انفاد » مصدر باب افعال الانتهاء .
( 3 ) . « البال » الخاطر والقلب والحال .