خاض في العبارات الآتية في شرحها قائلًا : « وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُك مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِك ، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِك ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَك ، أَوْ تَغُرَّك . وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَك مُتَّهَمٌ ، وَصَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ » .
إشارة إلى أنّ الدنيا عندما تصيبك بأنواع البلاء والمصائب والأحداث الأليمة وتغير القدرة ، وهي صادقة ولا يصح وصفها بالخداع كما صدق من أخبرك من أولياء اللَّه والصالحين عن غدر الدنيا وتقلب أحوالها وإن لم يكن كلامهم موافقاً لهوى نفسك ؛ فلم تقبل لسان حال الدنيا ولا لسان حال أولياء اللَّه واتهمت الجميع بالكذب ، وعليه فهذا أنت من غرّ نفسه .
كما يحتمل أن يكون تفسير العبارة الأخيرة ، أنّالناصح هو الحوادث الأليمة وأخبار الصدق علامات غدر الدنيا التي يراها الإنسان بعينه ويسمعها بأذنه ؛ ولكنّها حيث لا تتفق وأهوائه فإنّه يكذبها جميعاً ويقول هي مجرّد حادثة صدفة فزالت ولن تتكرر .
ثم وضح أكثر هذه الحقيقة وجعلها معلومة للجميع فقال : « وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ « 1 » ، وَالرُّبُوعِ « 2 » الْخَالِيَةِ ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِك ، وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِك ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْك ، وَالشَّحِيحِ « 3 » بِك ! » .
ثم قال في آخر عبارة : « وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً ، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلًّا ! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ » .
إشارة إلى أنّ الأفراد المؤمنين واليقظين يسعهم أن يجعلوا من هذه الدنيا المليئة بالشر والمفعمة بالغرور والخداع وسيلة لسعادتهم الأبديّة وسلّماً لبلوغ المقامات
هامش
( 1 ) . « خاوية » اسم فاعل من مادة « خَوى » بمعنى خالي ويعني أحياناً المتهدم .
( 2 ) . « ربوع » جمع « ربع » على وزن « رفع » البيت والسكن كما وردت بمعنى المنطقة أو الجماعة من الناس والمعنى الأوّل هو المراد هنا .
( 3 ) . « شحيح » من مادة « شحّ » على وزن « مخ » البخل مع الحرص الذي يصبح عادة لذلك يطلق « شحيح » أحياناً على الفرد الحريص على صديقه وهذا هو المعنى المراد في العبارة .