القسم الثالث
وَحَقّاً أَقُولُ ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ ، وَآذَنَتْكَ عَلَى سَوَاءٍ ، وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُك مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِكَ ، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ ، أَصْدَقُ وَأَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَك ، أَوْ تَغُرَّكَ . وَلَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَك مُتَّهَمٌ ، صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُكَذَّبٌ ، وَلَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِي الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ ، وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ ، لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْكِيرِكَ ، وَبَلَاغِ مَوْعِظَتِكَ ، بِمَحَلَّةِ الشَّفِيقِ عَلَيْك ، وَالشَّحِيحِ بِك ! وَلَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا دَاراً ، وَمَحَلُّ مَنْ لَمْ يُوَطِّنْهَا مَحَلًّا ! وَإِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْيَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْيَوْمَ .
الشرح والتفسير : الدنيا أعظم واعظ
لما كان أغلب المتهافتين على الدنيا يحملون الدنيا مسؤولية معاصيهم لإبراء أنفسهم ويعدون زخارف الدنيا ونعمها المادية سبب آثامهم فإنّ الإمام ردّ عليهم في هذا الجانب من الخطبة فقال : « وَحَقّاً أَقُولُ ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ » .
ثم خاض في بيان دليل ذلك الكلام فقال : « وَلَقَدْ كَاشَفَتْك الْعِظَاتِ « 1 » ، وَآذَنَتْكَ « 2 » عَلَى سَوَاء » .
إشارة إلى أنّ الدنيا ليست غرّارة فحسب ، بل تقع فيها أحداث موقظة ، والإمام
هامش
( 1 ) . « عظات » جمع « عظة » بمعنى الموعظة والنصيحة وهي هنا كناية عن حوادث الدنيا المريرة التي تؤدي إلىاليقظة .
( 2 ) . « آذنت » من « الإيذان » بمعنى الإعلان المقرون بالتهديد وأحياناً تعني إعلان الحرب ثم وردت بمعنى الإعلان المطلق واطلاق الأذان كونه يعلن الدخول في الصلاة .