الجملة « يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ » إشارة إلى أنّ ذكر اللَّه وآثاره المباركة ليست مرتبطة بيوم أوبضعة أيام من عمرهم ، بل يشمل أيّام حياتهم منذ الشباب حتى الكهولة والشيخوخة .
وتشير العبارات بعدها إلى أنّهم لا يتخلون قط كالمتقوقعين عن المسؤوليّات الاجتماعية ؛ بل نشطون للغاية في ميدان إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالنظر إلى أنّ العبارة وردت بصيغة الفعل المضارع والفعل المضارع يدل على الاستمرار ، فهي إشارة إلى أنّ أعمالهم الصالحة هذه دائمية .
جدير ذكره أنّ الإمام بيّن هنا أنّهم يأمرون بالمعروف ويأتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، كما قال الإمام عليه السلام في الخطبة 175 : « أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي ، وَاللَّه ، مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا ، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا ! » .
ثم خاض الإمام عليه السلام في مزيد من الشرح بخصوص أحوال أولياء اللَّه وأهل الذكر فقال : « فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا ، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِك » .
نعم ! فهؤلاء يرون هذا العالم بأعينهم الباصرة النافذة عالم ما بعد الموت والقيامة والبرزخ ويشاهدون مصير الأخيار والأشرار .
ثم قال في ايضاح ذلك الكلام : « فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طَولِ الْاقَامَةِ فِيهِ ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا « 1 » » .
ثمّ بيّن نتيجة هذه المكاشفة الروحية : « فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِك لِاهْلِ الدُّنْيَا ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ » .
لم يعجز أهل الدنيا العاديون عن إدراك أحوال البرزخ والآخرة بينما يشاهدهما
هامش
( 1 ) . « عدات » جمع « عدة » بمعنى الوعود وقوله عليه السلام : ( وحققت القيامة عليهم عداتها ) في الواقع نوع من المجاز ، لأنّ الوعود الإلهيّة وعود الثواب والعقاب عالم تحققه هو عالم القيامة ، وعليه فلا ينبغي تصور الحاجة إلى الحذف والتقدير .