من الواضح أنّ هؤلاء الرجال بالدرجة الأولى هم الأنبياء والأئمّة المعصومين عليهم السلام ومن بعدهم المخلصين السائرين على نهجهم .
ونخوض بعد هذه الإشارة الاجمالية في شرح الخطبة ، قال الإمام عليه السلام في مستهل هذه الخطبة : « إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ « 1 » جِلَاءً « 2 » لِلْقُلُوبِ ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ « 3 » ، وَتُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ « 4 » ، وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ » .
نعم ! هنالك آثار عجيبة للذكر إن اقترن بالفكر . فإذا ذكر الإنسان اسم اللَّه بعظمة وعدد صفاته الجماليّة والجلاليّة من علم وقدرة وسمع وبصر ومقام الرحمانيّة والرحيميّة ومراقبته بالنسبة لعباده ، زالت عن بصيرته حجب الغفلة ورأى الحق واضحاً ، وتخمد لجاجة الأهواء والشهوات فيسمع باذن روحه خطاب أولياء اللَّه والدعاة إلى مرضاته ونتيجة ذلك الانقياد التام لأوامر اللَّه .
ذهب بعض الشراح أو احتملوا أنّ المراد من الذكرفي العبارة ، القرآن المجيد بقرينة ما أورده القرآن بشأنه فقال : « وَهذَا ذِكْرٌ مُّبَارَك أَنزَلْنَاهُ » « 5 » ولكن الحق أنّ للذكر مفهوم عام ، أحد مصاديقه البارزة الآيات الشريفة للقرآن .
ثم قال الإمام عليه السلام : « وَمَا بَرِحَ « 6 » اللَّه عَزَّتْ آلَاؤُهُ فِي الْبُرْهَةِ « 7 » بَعْدَ الْبُرْهَةِ ، وَفِي
هامش
( 1 ) . « ذكر » المراد به هنا ذكر اللَّه وهو على ثلاثة أنواع : القلبي ، اللساني والعملي فيتذكر اللَّه حين تتوفر مقدماتالمعصية فيتركها . وقيل : الذكر يشمل ذكر اللَّه وكذلك القيامة والنبوّة والولاية .
( 2 ) . « جلاء » إزالة الصدأ والايضاح والإنارة . ويقال للكحل جلاء كونه ينوّر العين .
( 3 ) . « وقرة » من مادة « وقر » تعني في الأصل الثقل ، ومن هنا يقال لتعظيم الأفراد توقير ، وقد استعمل الوقر في القرآن الكريم بمعنى ثقل السمع وهذا هو المعنى المراد هنا .
( 4 ) . « عشوة » ضعف العين .
( 5 ) . سورة الأنبياء ، الآية 50 .
( 6 ) . « ما برح » دائماً وأبداً .
( 7 ) . « برهة » الزمان الطويل أو مدّة من الزمان .