نعم ! فإن حلّ الأجل زالت أسباب الصحة والسلامة ولم يعد هنالك من أثر للدواء ، وعادة ما تكون نتيجته معكوسة فيعيى الأطباء وليس للمريض من سبيل سوى السير إلى الموت .
ما ورد هنا في عبارات الإمام الدقيقة إشارة للتقسيمات التي كانت متداولة في الطب القديم حيث كان الأطباء آنذاك يعتقدون بأربعة أنواع من الأمزجة : المزاج الحار ، المزاج البارد ، المزاج الرطب ، والجاف ، وهنالك أربعة أمزجة مركبة من زاوية أخرى : المزاج الحار والرطب ( الذي يسمى الدموي ) والمزاج الحار والجاف ( الصفراوي ) والمزاج البارد والرطب ( البلغمي ) والمزاج البارد والجاف ( السوداوي ) .
طبعاً هذه الأمزجة إن كانت في حد الاعتدال لا تقدح بالصحة ، ولأصحابها جميعاً باختلافهم الكثير حياة طيبة ؛ ولكن إن غلبت إحدى هذه الأمزجة ( الحرارة ، البرودة ، الرطوبة والجفاف ) فلا مناص من التعامل بالعوامل المخالفة لإعادته إلى اعتدال المزاج ؛ فالحرارة تسكن بالبرودة والبرودة تحرك بعوامل الحرارة والرطوبة توازن بالجفاف والجفاف يعدل بالرطوبة .
كل هذا التأثير حين لا يختل الأمر وإلّا فليس هنالك أدنى تأثير .
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة اليأس من عودة السلامة وانتظار نهاية العمر عن قريب : « حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلَه « 1 » ، وَذَهَلَ مُمَرِّضُهُ « 2 » ، وَتَعَايَا « 3 » أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ » .
وكأنّ الإمام عليه السلام كان حاضراً عند هؤلاء المرضى وأسرهم فهو يتابع عن كثب حالاتهم فالطبيب يظهر عجزه والممرض يبدي تعبه وأسرته لا تدري ما تقول للناس ، إذا قالت : صحته أحسن ، فذلك غير صحيح ، وإذا قالت : أسوأ ، فهذا متعب فلا مناص لها من الصمت وتجيب بنظرات العيون المليئة باليأس .
ثم قال عليه السلام : « وَتَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ « 4 » خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ : فَقَائِلٌ يَقُولُ : هُوَ لِمَا بِهِ ،
هامش
( 1 ) . « معلّل » المعالج واخذت في الأصل من « علة » بمعنى المرض .
( 2 ) . « ممرّض » من مادة « مرض » المعالج .
( 3 ) . « تعايا » من مادة « عيَّ » العجز .
( 4 ) . « شجيّ » الغم من مادة « شجو » على وزن « هجو » الهم والغم .