الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ « 1 » وَنَقَضَتِ الأَيَّامُ قُوَاهُ ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ « 2 » مِنْ كَثَبٍ « 3 » فَخَالَطَهُ بَثٌّ « 4 » لَا يَعْرِفُهُ ، وَنَجِيُّ « 5 » هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ ، آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ » .
إشارة إلى أنّ هؤلاء الجهال مهما سعوا للتناسي إزاء المصائب والضحك على الدوام على الدنيا فإنّ الدنيا هي الأخرى تضحك عليهم ؛ ولكن سرعان ما يباغتهم الموت فتفنى قواهم وطاقاتهم الواحدة تلو الأخرى ، فالعين تعشو وتضعف ، والأذن تثقلٌ والعظام تنحف والأعصاب تنهك وتعجز ، وتهجم عليهم أنواع الأمراض فيدق العالم في آذانهم أجراس الموت .
فقد أشار الإمام عليه السلام هنا في الواقع إلى انحلال قوى الإنسان أوّلًا ، وظهور الأمراض إثر ذلك والتي تعدّ الخطوة الأولى نحو الموت .
ثم اتّجه صوب الخطوة الثانية في رجوعه دائماً إلى الأطباء وتناول أنواع الدواء وانعدام تأثيرها فقال : « فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ « 6 » ، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ ، فَلَمْ يُطْفِىءْ بِبَارِدٍ إلَّا ثَوَّرَ « 7 » حَرَارَةً ، وَلَا حَرَّك بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً ، وَلَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ « 8 » لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاء » .
هامش
( 1 ) . « حسكة » من مادة « حسك » على وزن « فدك » نبات ذو أشواك يؤذي الإنسان بشدّة وورد بمعنى البغض والكرهوالمعنى الأوّل هو المراد هنا .
( 2 ) . « حتوف » جمع « حتف » الموت .
( 3 ) . « كثب » من مادة « كثب » على وزن « كسب » بمعنى الاقتراب .
( 4 ) . « بثّ » الحزن الشديد . ووردت بمعنى السعة والتناثر والانتشار والمراد هنا المعنى الأوّل .
( 5 ) . « النجيّ » الخفي والمستور ومن « نجوى » الهمس في الاذن .
( 6 ) . « قارّ » بارد من مادة « قرّ » على وزن « حرّ » البرودة .
( 7 ) . « ثوّر » من مادة « ثوران » الهيجان .
( 8 ) . « ممازج » الأشياء التي تمزج مع بعضها .