التنازل عنها استجابة للقوّة والغطرسة فإمّا أن يصبر ويتحمل أو يموت كمداً من القهر ، وهذا هو الشعار الذي يهتف به الاستكبار العالمي خفية أو علانية : « المُلْكُ لِمَنْ غَلَبَ » ولابدّ هنا من سؤال ابن أبي الحديد : هل هذه العبارة جزء من المتشابه وينبغي تأويلها وعدم حملها على الظاهر ؟ !
ثم قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه : « فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ « 1 » ، وَلَا ذَابٌّ وَلَا مُسَاعِدٌ ، إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي ؛ فَضَنَنْتُ « 2 » بِهِمْ عَنْ الْمَنِيَّةِ » .
تشير هذه العبارة إلى أنّ الناس انساقت للحكومة آنذاك فهذا طمعاً وذاك خوفاً وثالث حقداً وبغضاً ورثه من المعارك الإسلاميّة السابقة ، وأخيراً الغفلة الجهالة ، كان من الطبيعي أن يتعذر على الإمام في ظل تلك الشرائط أن ينهض ليشكل حكومة العدل الإسلامي وهي الامتداد لحكومة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله .
ومن هنا قال إثر ذلك : « فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى « 3 » ، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا « 4 » ، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ « 5 » ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ « 6 » الشِّفَارِ « 7 » » .
إشارة إلى أنّه لا ينبغي قط أن يفسّر سكوتي على تلك الأوضاع بالدليل على الرضى ، بل إني أتأوّه بشدّة من الانحرافات التي أعقبت وفاة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله في الحكومة الإسلاميّة ؛ لكن لم يكن أمامي سوى الصبر والسكوت .
وعقب اختتام الخطبة : « قالَ الشَّريفُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَقَدْ مَضى هذا الْكَلامُ في أثْناءِ خُطْبَة مُتَقَدِّمَة ، إلّاأنّي ذَكَرْتُهُ هاهُنا لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ » .
هامش
( 1 ) . « رافد » من مادة « رفد » على وزن « ربط » بمعنى المعونة والعطاء والمساعدة .
( 2 ) . « ضننت » من مادة « ضنّ » على وزن « فنّ » تعني في الأصل البخل الشديد ؛ لكنها هنا التحفظ الشديد عن الشيء المطلوب .
( 3 ) . « قذى » هذه المفردة تقابل تماماً الصفاء والإخلاص ويطلق القذى على الأشياء الملوثة التي تقع في الماءوالشوك الذي يدخل في العين ويؤذيها .
( 4 ) . « شجى » من مادة « شجو » على وزن « هجو » بمعنى الحزن والشدة كما يطلق على ما يعترض حنجرة الإنسان .
( 5 ) . « علقم » نبتة مرّة للغاية ويطلق عليها أيضاً « حنظل » وتطلق هذ المفردة على كلّ شيء مر .
( 6 ) . « وخز » بمعنى اللسع والثقب والأذى .
( 7 ) . « شفار » جمع « شفرة » على وزن « دفعة » السكين .