وَأَطْوَادِهَا « 1 » ، فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا ، وَأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا . فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ ، وَرَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ » .
المفروغ منه علميّاً أنّ سطح الكرة الأرضية لم تَعلُهُ المرتفعات قبل أن يبرد ، إلّا أنّ الشقوق تخللتها بعد برودتها ( كالتفاحة التي تمر عليها مدّة فتتصلب ) فكونت هذه الشقوق الجبال والوديان العظيمة ، وكانت الجبال تنطلق إلى السماء وتغوص جذورها في المواد المذابة في جوف الأرض فتكون سطح الأرض بصيغته الفعليّة .
ثم وضح أكثر فقال : « فَأَنْهَدَ « 2 » جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا ، وَأَسَاخَ « 3 » قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَمَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا « 4 » ، فَأَشْهَقَ « 5 » قِلَالَهَا ، وَأَطَالَ أَنْشَازَهَا « 6 » » .
تفيد هذه العبارة أنّ جبال الأرض بغض النظر عن استوائها خارجياً فإنّ لها جذوراً عظيمة في أطناب الأرض وهي الجذور التي تشدها معاً من الداخل ، بالضبط كالشجرة التي كلما امتد ساقها وأوراقها إلى الأعلى انغمرت جذورها أعمق في الأرض ، فالامتداد والاستقرار يرسخ الجذور في الأرض .
ثم ذكر عليه السلام فوائد الجبال وأهمها حفظ استقرار الأرض وسكانها ، فقال بعبارات دقيقة وعميقة : « وَجَعَلَهَا لِلْارْضِ عِمَاداً ، وَأَرَّزَهَا « 7 » فِيهَا أَوْتَاداً ، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ « 8 » بِأَهْلِهَا ، أَوْ تَسِيخَ « 9 » بِحِمْلِهَا ، أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا » .
هامش
( 1 ) . « أطواد » جمع « طود » الجبل الشامخ .
( 2 ) . « أنهد » من « النهود » بمعنى الظهور والانفصال .
( 3 ) . « أساخ » من « السوخ » على وزن « قول » الغوص في الماء .
( 4 ) . « انصاب » جمع « نصب » على وزن « كتب » الأجسام الأعلام وللنصب معنى المفرد أحياناً والجمع أخرى حسب ما ذكر المرحوم الطبرسي في « مجمع البيان » ، ج 10 ، ص 126 .
( 5 ) . « أشهق » من « الشهوق » الارتفاع و « اشهق » يعنى رفع .
( 6 ) . « أنشاز » جمع « نشز » على وزن « مرض » من « النشوز » ذكرت سابقاً في هذه الخطبة .
( 7 ) . « ارّز » من مادة « رزّ » على وزن « حظّ » بمعنى ثبت .
( 8 ) . « تميد » من « الميد » على وزن « صيد » الحركة والاضطراب .
( 9 ) . « تسيخ » من « سوخ » فسّرت في الخطبة .