وعليه تغيب فيهم أُولى مناشىء تضاد الأخبار : الكذب على اللَّه ورسوله ووضع الأحاديث ، حيث إنّ مجانبة الكذب جزء من ذاتهم وخوف اللَّه وتعظيم النّبي بغّضَ إلى نفوسهم الكذب .
ثم قال : « وَلَمْ يَهِمْ « 1 » ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ » .
وهنا زال عنهم المصدر الآخر لاختلاف الأحاديث والذي يتمثل بتساهل الرواة ، ثم بيّن عليه السلام صفة أُخرى لرواة الصدق العارفين فقال : « فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ « 2 » عَنْهُ ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْء مَوْضِعَهُ » .
فهذه العبارة العميقة المعنى إشارة إلى الرواة الصادقين المحيطين إحاطة تامة بالأخبار المختلفة ؛ ويعرفون الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمحكم والمتشابه ، فيجعلون كلّاً في موضعه ليبتعدوا عن التناقض والخطأ .
وكلامالإمام عليه السلام بشأن دراسة أساس اختلاف الأحاديث ، ليس خاصاً يتعلق بالحديث فحسب ، بل يعلمنا درساً أهم وأشمل فلابد من التوجه إلى الأسس والتعرف على العوامل المؤثرة في السعي لإزالة المعوقات وإلّا فإنّ كلّ إصلاح يبقى سطحياً وعابراً .
ثم أشار إلى سبب آخر لاختلاف الأحاديث والذي يكمل المباحث السابقة ، وهو اختلاف استعداد الأصحاب في تعلّم الأحاديث وتفسيرها وفهم معناها فقال :
« وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ : فَكَلَامٌ خَاصٌّ ، وَكَلَامٌ عَامٌّ ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّه ، سُبْحَانَهُ ، بِهِ ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ ، وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَة بِمَعْنَاهُ ، وَمَا قُصِدَ بِهِ ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ » .
هامش
( 1 ) . « لم يهم » من مادة « وهم » مطلق الخيال والظن وتعني أحياناً الظن الباطل والخطأ وهذا هو المعنى المراد .
( 2 ) . « جنّب » من باب تفعيل ومادة « جنب تعني حسب بعض مصادر اللغة ، الحفظ والإبعاد بالمعنى اللازموالمتعدي والمعنى الثاني هو المراد .