وهو ذات الأمر الذي قال فيه القرآن بشأن النّبي : « مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَد مِّنْ رِّجَالِكُمْ وَلكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ . . » « 1 » .
وقد نظمت أصول الإسلام وأركانه من جانب الحكيم بما يبعدها عن التزلزل مهما تقادم الزمان وقد تكهن بمتطلبات كلّ زمان ومكان في ظلّ أحكامه الثابتة والمتغيرة ( بتغير الموضوعات ) وهذه الشمولية هي التي جعلته خالداً .
ثم خاض الإمام عليه السلام بعد فراغه من إثبات خلود الإسلام في بيان سائر صفاته من قبيل سهولته ووضوحه واستقامته ووضوح قوانين الدين من خلال ثمان عبارات فقال :
« وَلَا ضَنْكَ « 2 » لِطُرُقِهِ ، وَلَا وُعُوثَةَ « 3 » لِسُهُولَتِهِ ، وَلَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ « 4 » ، وَلَا عِوَجَ
لِانْتِصَابِهِ « 5 » ، ولَا عَصَلَ « 6 » فِي عُودِهِ ، وَلَا وَعَثَ لِفَجِّهِ « 7 » ، وَلَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ ، وَلَا مَرَارَةَ
لِحَلَاوَتِهِ » .
والعبارة الأُولى :
« وَلَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ »
إشارة إلى ما ورد في الحديث النبوي الشريف
« بُعِثْتُ بِالْحَنَفيّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ » « 8 »
. الشريعة التي لا تختزن أي صعوبة أمام السالكين إلى اللَّه وقوانينها سهلة مستساغة ، ولما كان الإفراط في السهولة قد يؤدّي إلى الضعف فقد قال في العبارة اللاحقة :
« وَلَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ »
أي أنّ هذه السهولة واليسر والسماحة للشريعة لا تسير نحو الإفراط قط ، بل ضمن إطار الاعتدال ، وتشير العبارة الثالثة إلى هذه الحقيقة في أنّ وضوح جادة الإسلام دائمي
هامش
( 1 ) . سورة الأحزاب ، الآية 40 .
( 2 ) . « ضنك » بمعنى الضيق وهي تستخدم دائماً مفردة .
( 3 ) . « وعوثة » بمعنى المشقّة والعسر .
( 4 ) . « وضح » من مادة « وضوح » بمعنى الظهور والتبيان .
( 5 ) . « انتصاب » من مادة « نصب » يعنى الوقوف .
( 6 ) . « عصل » بمعنى الاعوجاج .
( 7 ) . « فجّ » تعني فيالأصل الوادي ؛ أي الطريق الواسع بين جبلين . ثم أطلقت على الطرق العامّة بصورة عامّة .
( 8 ) . ورد هذا الحديث في العديد من كتب الشيعة والسنّة منها في المحصول للفخر الرازي ج 5 ، ص 175 ، وشرحنهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 15 ، ص 144 ؛ الكافي ، ج 5 ، ص 494 .