شاهد على ذلك أنّ التقوى سبب النجاة في الآخرة ومصدر البركة في الحياة الماديّة الدنيويّة حيث صرح تعالى من جانب : « تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً » « 1 » .
ومن جانب آخر : « وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ » « 2 » .
ثم قال في مواصلة كلامه كتوضيح وتأكيد :
« فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِها « 3 » ، واعْتَصِمُوا
بِحَقَائِقِهَا « 4 » ، تَؤُلْ « 5 » بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ « 6 » الدَّعَةِ « 7 » وأَوْطَانِ السَّعَةِ ، ومَعَاقِلِ « 8 » الْحِرْزِ ومَنَازِلِ
الْعِزِّ » .
والتعبير
« بوثائق »
جمع وثيقة بمعنى العروة المحكمة إشارة إلى الأبعاد الظاهريّة للتقوى ، والتعبير
« بالحقائق »
جمع حقيقة إشارة إلى جوانبها الواقعيّة .
والعبارات الأربع التي ذكرت في العبارة المذكورة كنتيجة ( وجزاء الشرط مقدر ) تشير إلى أنّ التمسك بالتقوى سبب الهدوء والسكينة وكذلك الفتح والحفظ من الأخطار والتمتع بالعزة والكرامة .
نعم ! حين تسود التقوى في المجتمع بصفتها شعور بالمسؤوليّة الربّانيّة فإنّه قلّ من يتجاوز على حقوق الآخرين ويمارس الظلم والجور ونتيجة ذلك الاستقرار والسكينة ، وإن سادت التقوى بصفتها وظيفة فإنّ المجتمع يأخذ بالرقي والاتساع
هامش
( 1 ) . سورة مريم ، الآية 63 .
( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 96 .
( 3 ) . « وثائق » جمع « وثيقة » ما يعتمد عليه .
( 4 ) . « حقائق » جمع حقيقة ، معناه معروف ، ولكن أخذه بعض شرّاح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) بمعنى الرايةالذي لم يعثر عليه في أي قاموس لغوي .
( 5 ) . « تؤل » التي كانت فيالأصل « تؤول » وجزمت لأنّها وقعت جزاء لشرط مقدر ، فأصبحت تؤلْ ) من مادة « أول » على وزن « قول » بمعنى العودة ، وعلى هذا الأساس فإنّ العبارة « تؤل بكم » تعني أنّها تعيدكم .
( 6 ) . « أكنان » جمع « كنّ » على وزن « جنّ » بمعنى الستر والحاجز .
( 7 ) . « دعة » بمعنى الاستراحة والهدوء .
( 8 ) . « معاقل » جمع « معقل » على وزن « مسجد » بمعنى الملجأ والحصن ويقال أحياناً للجبال العالية التي تحمي الناس من الفيضانات وغيرها .