ويحتمل أن يكون المراد معجزتي العصا واليد البيضاء التي اقترنت بتكليم موسى عليه السلام .
على كلّ حال فلا يصح إطلاق صفة الناطق أو اللافظ على اللَّه تبارك وتعالى ، هذين اللفظين يشيران إلى حركة اللسان ومخارج الحروف والأمواج الصوتية التي يتنزّه عنها اللَّه تبارك وتعالى ، بينما يصح إطلاق لفظ المتكلّم على اللَّه لأنّه يوجد الكلام ويخلق الأمواج الصوتية في ست جهات كي لا يتصور موسى والآخرون أنّ اللَّه يحويه مكان .
ثم خاض الإمام عليه السلام في مطلبين آخرين بهدف إكمال هذه الصفات وإثبات عجز الفكر البشري عن تبيانه لحقيقة اللَّه تبارك وتعالى فقال في الأُولى :
« بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ « 1 » لِوَصْفِ رَبِّكَ ، فَصِفْ جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ وجُنُودَ الْمَلَائِكَةِ
الْمُقَرَّبِينَ ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ « 2 » ، مُتَوَلِّهَةً « 3 » عَقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ
الْخَالِقِينَ » .
إشارة إلى أنّ الإنسان الذي يعجز عن بيان صفات ملائكة اللَّه المقرّبين ولا يسعه إدراك حقيقة وجودها وحقيقة صفاتها ، فكيف يتوقع إدراك صفات الخالق ويستوعب في حيزه الفكري صفاته الجماليّة والجلاليّة ، مع العلم أنّ الملائكة الذين نعجز عن بيان صفاتهم يعيشون حالة الحيرة ضمن دائرتهم .
ثم خاض عليه السلام في النقطة الثانية التي تعدّ دليلًا عقلياً واضحاً فقال :
« فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُوالْهَيْئَاتِ وَالأَدْوَاتِ ، ومَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ » .
ثم اختتم هذا القسم باستنتاج واضح فقال عليه السلام :
« فَلَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَام ، وأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُور » .
هامش
( 1 ) . « متكلّف » تطلق على الشخص الشديد التعرض لما لا يعنيه .
( 2 ) . « مرجحنين » من الفعل الرباعي « رجحن » على وزن « دحرج » بمعنى المائل لثقله والمتحرك يميناً وشمالًاووردت في الخطبة بمعنى الخضوع والتواضع .
( 3 ) . « متولّهة » من مادة « وله » بمعنى الحائرة أو متخوفة من شدّة الحب .