ذلك قطرة من بحر جوده ، كيف لا وهو الخلّاق لما يشاء وفيضه غني عن الحدود « 1 » .
ثم قال عليه السلام : في الصفتين الخامسة والسادسة :
« وَلَا يَنْظُرُ بِعَيْن ، وَلَا يُحَدُّ بِأَيْن « 2 » » .
أجل ! إنّه يرى كلّ شيء وكل مكان والعالم برمّته حاضر عنده ، مع ذلك ليس له عين ولا مكان ، لإنّه أسمى من الزمان والمكان والعوارض الجسميّة .
ثم قال عليه السلام في الصفتين السابعة والثامنة :
« وَلَا يُوصَفُ بِالْازْوَاجِ « 3 » ، وَلَا يُخْلَقُ
بِعَلَاج » .
ذكروا عدّة معانٍ لأزواج منها : جمع زوج مثل النظير والقرين والزوج والشبيه والمثيل والضد والتركيب ، ولا مانع من جمع كلّ هذه المفاهيم في العبارة السابقة ، أي أنّ اللَّه منزّه عن كلّ هذه الأمور ، والعبارة
« لَا يُخْلَقُ بِعَلَاجٍ »
إشارة إلى الناس وأشباههم إن أرادوا خلق شيء - أو بتعبير أدق - إن أرادوا تركيب هيئة من أشياء إنّما يستعينون ببعض الوسائل التي قد تكون بسيطة وأخرى صعبة ، والخالق الوحيد الذي لا يحتاج إلى أيّة وسائل وأدوات هو الحقّ سبحانه وتعالى « 4 » ، بل أبعد من ذلك كما قال القرآن الكريم : « انَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 5 » .
ثم قال في الصفتين التاسعة والعاشرة من صفاته السلبيّة سبحانه :
« وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ » .
إننا نعلم بأنّ دائرة حواس الإنسان هي الأجسام الماديّة ، وعليه فالذات القدسيّة
هامش
( 1 ) . جاء في الحديث القدسي : « يا عِبادي لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ قامُوا فِي صَعيدٍ واحِدٍ فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسان مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذلِكَ مِمّا عِنْدي شَيْئاً إلّاكَما يَنْقُصُ الْمَخيطُ إذا دَخَلَ الْبَحْرَ » ( صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 17 ؛ كنز العمال ، ج 15 ، ص 924 ) .
( 2 ) . « أين » بمعنى المكان .
( 3 ) . « أزواج » جمع « زوج » لها معنى واسع يشمل كلّ قرين ومثيل .
( 4 ) . لابدّ من الالتفات إلى أنّ كلمة « يخلق » وردت بصيغة المجهول في متن نهج البلاغة لصبحي الصالح ولا يبدولها أي مفهوم صحيح ، بينما ذكرها أغلبية الشرّاح مثل المرحوم ابن ميثم ومغنية وعبده والتستري والخوئي والجعفري بصيغة المعلوم والحقّ ما ذكروه ، أمّا العبارة « وَلَا يَنْظُرُ بِعَيْن » وإن كانت ذات معنى بصيغة المعلوم إلّاأنّها أنسب مع العبارة اللاحقة بصيغة المجهول .
( 5 ) . سورة يس ، الآية 82 .