التي تفوق عالم المادة لا تدرك إلّابالعقل والفكر ، ويخطئ أولئك الذين يعتقدون بإمكانيّة رؤية اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة بهذه العين .
العبارة :
« لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ »
تشير إلى أصل كلّي بشأن صفات اللَّه تعالى في عدم إمكانيّة مقارنة هذه الصفات بصفات المخلوق فإنّ ذلك ينتهي إلى الضلالة ، وهذا المعنى ورد في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة :
« وكَمالُ الْاخْلاصِ لَهُ نَفْىُ الصِّفاتِ عَنْهُ » .
وقال أخيراً في بيان آخر الصفات :
« الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً ، وأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً ؛ بِلَا جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَات ، وَلَا نُطْق وَلَا لَهَوَات « 1 » » .
بما أنّه نقل في السابق مختلف الصفات وأثبتها للَّهتعالى بأكمل وجه ، فقد خاض هنا في مسألة تكلّم اللَّه سبحانه وتعالى وأوضح أنّ اللَّه كلّم موسى عليه السلام ولكن ليس على غرار الناس الذين يتكلّمون بواسطة اللسان والفم والأمواج الصوتية وأداء الحروف ، بل يخلق الأمواج الصوتية ليتحدّث بواسطتها مع موسى عليه السلام ، فكان موسى يسمع الكلام من ست جهات وهذا من عظمة آيات اللَّه دون الحاجة إلى الجوارح والأعضاء الصوتية ، وظاهر كلام الإمام عليه السلام أنّ عظمة آيات اللَّه هو سماع كلامه سبحانه من الجهات الست ، والشاهد على ذلك قوله عليه السلام :
« بِلَا جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَات ، وَلَا نُطْق وَلَا لَهَوَات » .
الاحتمال الآخر الذي ذكره شرّاح نهج البلاغة بهذا الشأن أنّ المراد من عظيم آياته المعجزات التسع التي حبى بها موسى بن عمران « 2 » ، ولكن يبدو هذا الاحتمال بعيداً ولا ينسجم مع سياق كلام الإمام عليه السلام فهو لا يخلو من تكلّف ومخالفة الظاهر ،
هامش
( 1 ) . « لهوات » جمع « لهاة » بمعنى اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم ، ويقال لها اللسان الصغير ، ولكن يبدو معناها في الخطبة الحنجرة بقرينة المجاورة .
( 2 ) . المراد من الآيات التسع ما وردت الإشارة إليها في آيات مختلفة من القرآن الكريم ، وهي عبارة عن الجرادوالقمّل والضفادع والدم والرياح العاصفة والعصا واليد البيضاء والقحط الشديد الذي أصاب الفراعنة وآفات الفاكهة .