القسم السادس
فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْامَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلَاتِهِ ، ووَقَائِعِهِ ومَثُلَاتِهِ ، واتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ ، ومَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ ، واسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ .
فَلَورَخَّصَ اللَّهُ فِي الْكِبْرِ لِاحَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وأَوْلِيَائِهِ ؛ ولكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ ، ورَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ ، فَأَلْصَقُوا بِالْارْضِ خُدُودَهُمْ ، وعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ . وخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وكانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ . قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ ، وابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ ، وامْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ ، ومَخَضَهُمْ بِالْمَكَارِهِ . فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَى والسُّخْطَ بِالْمَالِ والْوَلَدِ جَهْلًا بِمَواقِعِ الْفِتْنَةِ ، والْاخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى والْاقْتِدَارِ ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى :
( أَيَحْسَبُونَ أنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّال وبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَّا يَشْعُرُونَ ) . فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ .
الشرح والتفسير : آفة التكبّر
لما فرغ الإمام عليه السلام من تحذيراته في المقطع السابق من هذه الخطبة من تبعية المستكبرين والعصاة المتعصبين ، أخذ في هذا الجانب من الخطبة بيد مخاطبيه ليغوص بهم في أعماق التاريخ ويوقفهم على مصير الأمم المستكبرة وأئمّة الكبر