والْغَابِرِينَ « 1 » ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً ، إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى وأَخَذَ مَا أَعْطَوسَأَلَ عَمَّا
أَسْدَى « 2 » » .
نعم فالتقوى كالقصر الجميل الفخم والهادئ الذي يدعو إليه الجميع والذي كان وما زال ماثلًا أمام أعين جميع الناس وقد دعي إليه الجميع من جانب الكتب السماوية وأنبياء اللَّه وأوليائه ، فقد صرح القرآن الكريم قائلًا : « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ » « 3 » .
وقال الإمام عليه السلام في الأمر الثالث :
« فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا ، وحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا ! أُولئِكَ الأَقَلُّونَ عَدَداً ، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ :
« وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ » « 4 » » .
والسؤال الذي يرد : لم كان طلاب التقوى قلائل مع ما لها من الأهميّة ؟ ولا يبدو الجواب على هذا السؤال صعباً ، ذلك لأنّ التقوى تعني مخالفة هوى النفس ومخالفة هوى النفس ليس بالأمر الهيّن ، فسبيل التقوى ينطوي على الكثير من المطبات والصعوبات وإن كانت عاقبته حلوة هنيئة ، ذلك لأنّ جادة هوى النفس معبدة وللسائرين ولكنّ عاقبتها في غاية الخطورة .
إنّ اللَّه تعالى لما خلق الجنّة قال لجبرئيل : انظر إليها . فلما نظر إليها قال :
« يا ربِّ لا يَتْرُكُها أحَدٌ إِلَّا دَخَلَها »
فلما حفّها بالمكاره قال : انظر إليها . فلما نظر إليها قال :
« يا رَبّ أخْشى أنْ لا يَدْخُلَها أَحَدٌ »
ولما خلق النار قال : انظر إليها . فلما نظر إليها قال :
« يا رَبِّ لا يَدْخُلُها أحَدٌ »
فلما حفّها بالشهوات قال : انظر إليها ، فلما نظر إليها قال :
« يا رَبِّ أخْشى أنْ يَدْخُلَها كُلُّ أحَد » « 5 »
. فهذا الحديث في الواقع شرح لما ورد عن النّبي
هامش
( 1 ) . « الغابرين » جمع « غابر » من غبور على وزن « عبور » تعني بقاء الشيء وعليه فغابرين تعني الباقين .
( 2 ) . « اسدى » من مادة « سدى » على وزن « عبا » بمعنى الإحسان والعطاء .
( 3 ) . سورة النساء ، الآية 131 .
( 4 ) . سورة سبأ ، الآية 13 .
( 5 ) . بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 72 .