وقد ذهب العديد من شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ التقوى هنا تعني الطاعة التامة لأوامر اللَّه تعالى ، والحال أنّ التقوى هي خشية اللَّه الباطنيّة والالتزام بالمبادئ التي يكون أثرها طاعة أوامر اللَّه .
فالتقوى تظهر في مراحلها الابتدائيّة بصورة العدالة وفي مراحل أروع بصورة العصمة وكل ذلك من الصفات الباطنيّة .
والشخص الذي يستخف بالطاعة ولا يكترث للذنب هو شخص عديم التقوى وذلك الشخص الملتزم يتعاليم الدين والعامل بها هو المتقي وتظهر آثار كلّ من الحالتين على الأعمال .
ثم قال عليه السلام في تحصيل هذه الجوهرة الثمينة :
« وأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ ، وتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ » .
نعم ، فسلوك سبيل التقوى ، التقوى التي تحيط بحياة الإنسان ، ليست ميسرة إلّا بتوفيق اللَّه ، حتى أنبياء اللَّه وأولياءَه يفوّضون أمورهم إلى اللَّه ويسألونه الأخذ بأيديهم ويقولون : « وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » « 1 » .
وورد في الدعاء الذي ورد الحث عليه عقب زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام :
« كُلَّما وَفَّقْتَنى بِخَيْرٌ فَأنْتَ دَليلي عَلَيْهِ وطَريقي إلَيْهِ » « 2 » .
ثم أشار عليه السلام إلى معطيين مهمين من معطيات التقوى كدليل عليها فقال :
« فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ والْجُنَّةُ » .
نعم ! فمعظم الحوادث المريرة الفرديّة والاجتماعيّة التي تعكر صفو حياة الإنسان في هذا العالم معلولة للمعصية والخروج عن جادة العدل والانصاف ؛ فالتقوى تنقذ الإنسان في هذا العالم من السقوط في مستنقع الذنب وعواقبه الخطيرة وتجعله يعيش حياة هانئة مقرونة بالسكينة والسعادة وفخير زادٍ يتزوّد به الإنسان
هامش
( 1 ) . سورة هود ، الآية 88 ، ورد هذا الكلام في القرآن على لسان النبي شعيب عليه السلام تجاه قومه الطاغين .
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 99 ، ص 55 .