تبارك وتعالى فقال :
« ونَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاج لِفَضْلِهِ ، مُؤَمِّل لِنَفْعِهِ ، وَاثِق بِدَفْعِهِ ، مُعْتَرِف لَهُ بِالطَّوْلِ « 1 » ، مُذْعِن « 2 » لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ » .
تشير هذه العبارات الخمس إلى مواضيع متنوعة ؛ الأوّل : الحديث عن الأمل بفضل اللَّه في الأمور المعنويّة ، والثاني : الأمل والرجاء في المنافع والمصالح الماديّة ، والثالث : الثقة بدفع الآفات والمضرّات عن العباد ، والرابع : مقام الاعتراف بالنعم ، وأخيراً أداء حقّ الشكر بالقول والعمل .
فقد اتّجه الإمام عليه السلام بعد بيانه لما يستحق اللَّه تعالى من حمد واستعانة تامة بذاته المقدّسة الإفصاح عن إيمانه بالذات المقدّسة ، وهو الإيمان الذي انطوى على جميع المزايا فقال عليه السلام :
« ونُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً ، وأَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً ، وخَنَعَ « 3 » لَهُ
مُذْعِناً ، وأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً ، وعَظَّمَهُ مُمَجِّداً ، ولَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً » .
حقّاً إنّ الإيمان الذي ينطوي على كلّ هذه الصفات ويختزن كلّ هذه الآثار لهو أرفع إيماناً وأرسخ عقيدة ، ولا يتأتّى مثل هذا الإيمان إلّامن خلال تطهير القلب من دنس المعصية والابتعاد عن الأهواء والسعي إلى تهذيب النفس والتوجه إلى اللَّه سبحانه وتعالى ، ولعلّ هنالك من يتساءل : لماذا استهل الإمام عليه السلام كلامه بحمد اللَّه والثناء عليه ثم استعان بذاته المقدّسة ليتجه أخيراً إلى الإيمان ، والحال أنّ الإيمان هو دافع الحمد والاستعانة ؟
والجواب عن ذلك ، إنّ الإيمان الذي تطرق إليه الإمام عليه السلام هنا هو الإيمان الجامع للكمال ، والذي لا يحصل إلّابعد حمد اللَّه والاستعانة بذاته المقدّسة وما وجب سابقاً قبل الحمد والاستعانة إنّما يمثل المراحل الابتدائية للإيمان .
* * *
هامش
( 1 ) . « الطول » بمعنى الفضل والنعمة ، وأصلها من طول على وزن « نور » بمعنى ما يحفظ للإنسان قوّته وبقاءه وإمكان استمراره في الوجود ، مادة « طَوْل » على وزن « قَوْل » وعليها أطلقت هنا .
( 2 ) . « مذعن » من مادة « إذعان » بمعنى التصديق والطاعة .
( 3 ) . « خنع » من مادة « خنوع » بمعنى الخضوع والتواضع .