فقال في الحمد والثناء :
« الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ « 1 » الْخَلْقِ ، وعَوَاقِبُ الأَمْرِ » .
نعم فمنه تعالى بداية الخلق وإليه المصير ، فموجودات هذا العالم كافّة من فيض وجوده وستؤول عاقبة أمرها إليه ، وهذه إشارة إلى قضية المعاد ويوم القيامة فالحديث في هذه العبارة عن مبدىءٍ نحمده ونثني عليه .
ولكن لم هذا الحمد والثناء ؟ قال عليه السلام :
« نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ ، ونَيِّرِ بُرْهَانِهِ ، ونَوَامِي « 2 » فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ » .
العبارة :
« عَظِيمِ إِحْسَانِهِ »
يمكن أن تكون إشارة إلى نعمة الإيمان والاعتقاد الخالص باللَّه تعالى بقرينة
« نَيِّرِ بُرْهَانِهِ »
التي تشير إلى الأدلّة الواضحة ، وكما يمكن أن تكون إشارة إلى نعمة الحياة والخلق التي تعدّ من أعظم نعم اللَّه ، إلّاأنّ التفسير الأوّل أنسب ، والعبارة :
« ونَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ »
إشارة إلى تكامل الإنسان في المجالات الماديّة والمعنويّة والتي تعدّ من النعم الإلهيّة الكبرى .
ثم خاض عليه السلام في بيان كيفية هذا الحمد فقال :
« حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً ، ولِشُكْرِهِ أَدَاءً ، وإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً ، وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً » .
من البديهي أن لا يسع أحد أداء حقّ الشكر والحمد للَّهتبارك وتعالى ، ويعجز عن ذلك حتى جميع الأنبياء والأولياء والملائكة المقرّبين ، وعليه فالمراد من الأداء ما كان في وسع الإنسان والذي يوجب ثواب اللَّه ونيل المزيد من نعمه .
وعلى هذا الأساس تطرق في هذه الجملات الحكيمة ، تارة الصفات الإلهيّة وإحسانه ونِعمه ، وتارة أخرى إلى أساس النعم المتنوعة الإلهيّة وأصولها ، وفي الثالثة إلى كيفية الحمد والشكر ، وبذلك تطرق إلى مجموعة كاملة من الصفات الإلهيّة ونعمه .
ثم تطرق بعد الحمد - كما ورد شبيه ذلك في سورة الفاتحة - إلى الاستعانة باللَّه
هامش
( 1 ) . « مصائر » جمع « مصير » بمعنى موضع الرجوع .
( 2 ) . « نوامي » جمع « نامية » من مادة « نمو » بمعنى الشيء الزائد .