ذلك لأنّ آثاره ملأت أركان العالم وتجلّت فيه جميع الموجودات ، والعبارة
« لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ »
إشارة إلى عظمته ، لكن ليست كعظمة الطواغيت والجبابرة الممزوجة بالظلم والجور والجفاء ، كما قال القرآن الكريم في أواخر سورة الحشر :
« الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ » .
وقال في الصفة الثامنة والتاسعة :
« بَصِيرٌ لَايُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ ، رَحِيمٌ لَايُوصَفُ بِالرِّقَّةِ »
. فإن قلنا : فلان بصير ، تبادر إلى الذهن بسرعة العين التي يبصر بها ، وحين يقال : فلان رحيم تتداعى شفقة قلبه ورقته ، والحال ، هذه الصفات الممكنات والموجودات الجسمانية واللَّه أسمى من ذلك . فبصره سبحانه بمضي علمه بالموجودات كافة التي ترى بالعين ورحيميته بمضي لطفه وعطائه لعباده ، وإن مثل هذه الصفات مركبة من النقص والكمال ، وللَّه كمالها ونزاهته من نقصها .
وقال في الصفتين الأخيرتين :
« تَعْنُو « 1 » الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ ، وَتَجِبُ « 2 » الْقُلُوبُ مِنْ
مَخَافَتِهِ »
. إشارة إلى أنّه رغم لطفه ورحمته ، إلّاأنّ ذلك لا يعني جرأة العباد على الذات من خلال التشبث بتلك الصفات ، بل لابدّ من خشية عقابه إلى جانب الأمل بلطفه ورحمته . ومن هنا قال القرآن بشأن المؤمنين : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » « 3 » . ونعلم جميعاً بأنّ تعادل الخوف والرجاء من شأنه الأخذ بيد الإنسان إلى السمو والكمال .
هامش
( 1 ) . « تعنو » من مادة ( عنو ) على وزن غلو ، بمعنى ، تذل وتخضع
( 2 ) . « تجب » من مادة ( وجوب ) تعني أحياناً ، الثبوت ، وأخرى السقوط والوقوع ولازمته الثبوت والاستقرار ، وإن وردت بشأن القلب عنت الاضطراب
( 3 ) . سورة المؤمنون ، الآية 60