قرب جسمين من بعضهما يقعان في مكانين حسيين ، وعندما نقول : اللَّه بعيد يتداعى لنا جسمان بعيدان عن بعضهما وانفصالهما ، والحال ، بعدهما وقربهما ليس كذلك ، فهو قريب من كل شيء ، بمعنى إحاطته التامة بجميع الموجودات ، وبعيد بمعنى تنزه كبريائه عن أدناس المكان وصفات المخلوقات الناقصة .
وقال في الصفة الثالثة والرابعة :
« مُتَكَلِّمٌ لَابِرَوِيَّةٍ « 1 » ، مُرِيدٌ لَابِهِمَّةٍ « 2 » »
. وإن طرح موضوع الكلام والإرادة يتبادر إلى أذهاننا إنّ الشخص يجيد لغة معينة ويفكر في مطلب ثم يصوغه في إطار كلمات وعبارات ، ثم يستعين بلسانه وشفتيه ليوصل صوته المنطلق من حنجرته إلى الآخرين ، وهكذا الأمر بالنسبة للإرادة في أن يفكر المريد مسبقاً ويتأمل صلاح الشيء من فساده ثم يعزم على القيام بالعمل وأمر الجوارح والأعضاء بالتنفيذ . قطعاً إنّ أيّاً من هذه الأمور لا تصدق على اللَّه ، فهو ليس بجسم وليس له أعضاء وجوارح وليس بحاجة إلى التفكير . فكلامه ليس سوى خلق الموجات الصوتية في الفضاء كتلك الأمواج التي سمعها النبي موسى عليه السلام من الشجرة ، وإرادته ليست سوى علمه بالمصالح والمفاسد . وهذه الحقيقة صادقة تماماً على الصفات السبع الأخرى . ومن هنا اعتبر الإمام عليه السلام أنّ أفضل طريق لمعرفة اللَّه ، نفي صفات المخلوقات عنه ، فقال :
« وَكَمالُ الْإِخْلاصِ نَفْيُ الصّفَاتِ عَنْهُ » « 3 » .
وقال في الصفة الخامسة :
« صَانِعٌ لَابِجَارِحَةٍ »
نعم ، إنّ أمره إذا أراد شيئاً إنّما يقول له كن فيكون ، وله أن يخلق عالماً واسعاً ومترامياً كعالمنا فيقول له كن فيكون ولا يحتاج إلى وسائل وأدوات وأجزاء كالإنسان .
وقال في الصفة السادسة والسابعة :
« لَطِيفٌ لَايُوصَفُ بِالْخَفَاءِ ، كَبِيرٌ لَايُوصَفُ بِالْجَفَاءِ »
، لشرّاح نهج البلاغة وعلماء الكلام أحاديث مسهبة في باب صفات اللَّه ومنها صفة اللطيف ، فذكروا لها عدّة معانٍ ، فتارة فسّروه بالخفي ، وأخرى بخالق الأشياء الظريفة وأخيراً ذو اللطف والحبّ ، وللَّه كل هذه الصفات ، إلّاأنّ المعنى الأول أنسب ، أي أنّ الذات المقدّسة ظريفة الخفاء ، لكن لا بمعنى الخفاء عن العباد ،
هامش
( 1 ) . « روية » من مادة ( تروية ) تعني ، أحياناً ، الشبع من الماء ، كما وردت بمعنى التفكير
( 2 ) . « همة » من مادة ( همّ ) بمعنى العزم على الإتيان بشيء ، كما تعني ، الهم الذي يشغل فكر الإنسان ، والنوع الأول هو المراد
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 1