تأمّل
البدعة
ركّز الإمام عليه السلام في المقطع المذكور من الخطبة على وقوفه بوجه البدع . والبدعة في اللغة تعني إيجاد الشيء دون تجربة أو مثال وهي ممدوحة حيناً ومذمومة حيناً آخر . فالقرآن يصف اللَّه بالقول : « بَدِيعُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ » « 1 » ، كما يصف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : « قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ » « 2 » والمراد هو المفهوم المذكور . إلّاأنّ لهذه المفردة مفهوماً خاصاً في لسان الروايات وكلمات الفقهاء وهو تغيير الأحكام الشرعية وتبديلها بأحكام طبق الرغبات النفسية والمنافع الشخصية . ومن هنا ورد الذم الشديد للبدعة في الروايات ، حيث قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« اهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيفَةِ » « 3 » .
وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام :
« امَّا أَهْلُ الْبِدْعَةِ فَالْمُخَالِفُونَ لِأَمْرِاللَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ الْعامِلُونَ بِرَأْيِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا » « 4 »
والروايات كثيرة بهذا الشأن والتي ذمّت بشدّة ، البدعة والمبتدع . والسبب واضح ، فكما ذكرنا سابقاً أنّ باب البدع لو فتح لما بقي من أحكام الدين وأصوله وفروعه شيءٌ ولمحق الدين . وعلى هذا الأساس قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله
: « مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ أَعانَ عَلَى هَدْمِ دِينِهِ » « 5 »
. ويتضح من هنا خطأ أولئك الذين خلطوا المعنى الواسع للبدعة بمعناها الخاص ليزعموا أنّ كل القضايا متجددة ، فمن يسعه الوقوف بوجه التجدد ؟ وأمّا أولئك فإنهم يرون تغيير الآراء الاجتهادية وكشف المسائل المستحدثة من الكتاب والسُنّة ضرباً من البدعة ، فإمّا أنّهم يخدعون أنفسهم أو أنّهم يريدون خداع الآخرين . فكشف
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 117
( 2 ) . سورة الأحقاف ، الآية 9
( 3 ) . ميزان الحكمة ، ح 1629
( 4 ) . المصدر السابق ، ح 1632
( 5 ) . المصدر السابق ، ح 1635