القسم الثاني
لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ ، وَلَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ . لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ ، وَلَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ . عِلْمُهُ بِالأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ ، وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى .
الشرح والتفسير : العلم الإلهي المطلق
واصل الإمام عليه السلام ما طرحه سابقاً بشأن قدرة اللَّه التامة وعلمه المطلق فقال :
« لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ ، وَلَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ »
فالعبارة إشارة إلى الابداع في الخلق ، أي خلق الأشياء دون سابقة ، فلم تكن هناك مواد أزلية استعان بها اللَّه لخلق الأشياء ، كما لم تكن هنالك إشكال وصور احتذاها في تصويره الأشياء ، خلافاً لما اعتقده الفلاسفة من أزلية المادة ، فلا أبدية وأزلية سوى للذات المقدّسة ، وهذا ما بيّناه في برهان التوحيد من امتناع وجود الأبدي والأزلي في عالم الممكنات . والعجيب أنّ الإمام عليه السلام كشف النقاب عن هذه الحقيقة في عصر وبيئة لم ترق لهذه الأفكار ولم تشهد معرفة اللَّه مثل هذا المنطق الرصين .
ثم أشار عليه السلام إلى قدرة اللَّه المطلقة من زاوية أخرى فقال :
« لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ ، وَلَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ »
. بل الجميع مستسلم لإرادته التكوينية ، فيوجد ما يشاء متى شاء ويعدم ما يشاء كيفما شاء ، مع ذلك فاستسلام الموجودات وطاعة