ثم أخذ الإمام عليه السلام بيد مخاطبيه إلى العهود الماضية ليشرح عاقبة الحياة الدنيا لمن تعلق بها ضمن عشر عبارات قصيرة بما يهزّ ضمير الإنسان فقال :
« وَاعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصارِعِ « 1 » الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ : قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ « 2 » ، وَزَالَتْ أَبْصَارُهُمْ
وَأَسْمَاعُهُمْ ، وَذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَعِزُّهُمْ ، وَانْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ » .
وتشير العبارة
« تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُم »
إلى تآكل الجسد تحت التراب ، كما يمكن أن تكون العبارة إشارة إلى تآكل الوشائج الاجتماعية في حياة الإنسان والتي تزول بعد وفاة الإنسان ، كما يمكن أن تكون الأسماع والأبصار إشارة إلى الأذن والعين الظاهرية لقدرة الرؤية والسمع الحسي . ولا تزول حواس الإنسان الظاهرية وأعضائه البدنية فحسب ، بل تزول كل امتيازاته الاجتماعية من قبيل الترف المادي والعزة وكافة النعم والمتع . ثم أشار عليه السلام إلى جانب آخر من النعم التي يفارقها الإنسان بالموت فقال :
« فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا ، وَبِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا . لَا يَتَفَاخَرُونَ ، وَلَا يَتَنَاسَلُونَ ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَلَا يَتَحَاوَرُونَ » .
بل وصفهم الشاعر « 3 » :
وَحَلُّوا بِدارٍ لاتَزاوُرَ بَينَهُم * وَأنَّى لِسُكَانِ القُبُورِ التَّزاوُرُ
طبعاً هذا الكلام في جسم الإنسان ولا مانع من اجتماع أرواح المؤمنين وتزاورها وتحاورها .
واختتم الإمام عليه السلام الخطبة محذراً الجميع :
« فَاحْذَرُوا ، عِبَادَ اللَّهِ ، حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ ، الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ ، النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ ، وَالْعَلَمَ قَائِمٌ ، وَالطَّرِيقَ جَدَدٌ « 4 »
وَالسَّبِيلَ قَصَدٌ »
. العبارة
« فَاحْذَرُوا . . . النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ »
إشارة إلى أنّ الإنسان يمكنه
هامش
( 1 ) . « مصارع » جمع مصرع ، موضع الوقوع على الأرض ويطلق أيضاً على المقتل
( 2 ) . « أوصال » جمع وصل ، على وزن قفل ، العظام وانسجة الأعصاب التي تربط الأعضاء
( 3 ) . منهاج البراعة ، ج 9 ، ص 412
( 4 ) . « جدد » من مادة ( جد ) على وزن خط ، القطع وطي الطريق المستوي ، ويقال للطريق المحكم والمستوي ، الجادة