فقد رسمت الآية القرآنية الشريفة صورة واضحة عن تفاهة الدنيا وانقطاع نعيمها وزوالها في إطار واضح ، كما ورد هذا الانتقال في آية أخرى : « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ » « 1 » .
ثم قال مواصلًا وصف الدنيا :
« أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ! »
. ودليل ذلك واضح هو أنّ الدنيا هوى وهوس يقذف بالإنسان في مستنقع الذنب من كل جانب وهذا ما يوجب غضب اللَّه وعدم رضاه . طبعاً ، المراد من الدنيا هنا ، الدنيا المادية التي يجعلها الإنسان هدفاً ويعتمد كل الوسائل للحصول عليها وإن قارف الذنوب ، وإلّا فالدنيا وسيلة على الاقتدار للطاعة وشكر النعمة وبلوغ السعادة .
ثم خلص عليه السلام إلى هذه النتيجة :
« فَغُضُّوا « 2 » عَنْكُمْ - عِبَادَاللَّهِ - غُمُومَهَا وَأَشْغَالَهَا ،
لِمَا قَدْ أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَتَصَرُّفِ حَالَاتِهَا . فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَالْمُجِدِّ الْكَادِحِ « 3 » »
. إشارة إلى تصاعد آلام الدنيا وتزايد همها ، فكلما اقترب الإنسان منها زاد غناؤه حتى يسيطر الهم على جميع كيانه .
قال الإمام الباقر عليه السلام :
« مَثَلُ الحَرِيصِ عَلَى الدُّنيا مَثَلُ دُودَةِ القَزِّ كُلَّما إِزْدَادتْ مِنَ القُزِّ عَلَى نَفْسِها لَفاً كَانَ أَبْعَدُ لَها مِنَ الخُرُوجِ حَتّى تَمُوتَ غَمَّاً » « 4 »
. وقد تمثل الشاعر العربي فأنشد « 5 » .
أَلَمْ تَرَ أَنّ المَرءَ طُولَ حَياتِهِ * حَرِيصٌ عَلى ما لايَزالُ يَنَاسِجُهُ
كَدُودٌ كَدُودِ القَزِّ يَنْسِجُ دائماً * فَيُهلَكُ غَمّاً وَسَطَ ما هُوَ ناسِجُ
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران ، الآية 140
( 2 ) . « غضوا » من مادة ( غض ) على وزن حظ ، بمعنى الحد والتقليل ، وغض البصر ، بمعنى عدم تركيز الإنسان علىالشيء في النظر إليه ، بل يخفض عينيه إلى الأسفل
( 3 ) . « كادح » من مادة ( كدح ) على وزن مدح ، السعي المصحوب بالمشقة
( 4 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 316
( 5 ) . حاشية الكافي ، ج 2 ، ص 316 ، كدود في البيت الثاني صيغة مبالغة من مادة ( كد ) يعني الجهد