إلّا أنّ التفسير الأول أقرب ، لأن
« الوحدان »
إشارة إلى الأفراد الوحيدين أو المشاة ،
و « الركبان »
إلى الأفراد الأشداء أو الفرسان .
ثم قال عليه السلام :
« تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ ، وَتَحْلُبُ عَبِيطَ « 1 » الدِّمَاءِ ، وَتَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ ، وَتَنْقُضُ
عَقْدَ الْيَقِينِ . يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ ، وَيُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ »
، أجل حين ينحّى الأكياس والحكماء ويتسلم الأراذل والأرجاس زمام الأمور تتصدع عرى الإيمان وتتفسخ عقد اليقين وتتعرض أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم إلى الخطر .
ويختتم الإمام عليه السلام بيانه لخصائص هذه الفتنة العظيمة بالقول :
« مِرْعَادٌ « 2 » مِبْرَاقٌ ،
كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ ! تُقْطَعُ فِيهَا الأَرْحَامُ ، وَيُفَارَقُ عَلَيْهَا الإِسْلَامُ ! بَرِيُّهَا سَقِيمٌ ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ ! »
. و « مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ » ، صفات كنائية لشدّة هول هذه الفتنة ، لأن هذه العبارات عادة ما تستعمل بهذا المعنى ، رغم أنّ بعض الشراح عدوا ذلك إشارة إلى أصوات ضربات السيوف وبرقها ، غير أنّ المعنى الأول أنسب . وعبارة
« كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ »
كناية عن شدّة مشقتها ؛ لأنّ الإنسان يشمر عن ذراعه وساقه عادة إن همّ بإتيان عمل شاق . وعبارة
« تُقْطَعُ فِيهَا الأَرْحَامُ »
إشارة إلى أنّ رؤوس الفتنة لا يرعون في آخ وأب وأم إلًا ولا ذمة ويذبحون كل من يعترض طريقهم ولتحقق رغباتهم .
ومن الطبيعي أن تغيب التعاليم الإسلامية في ظل هذه الظروف ، وأخيراً عبارة
« بَرِيُّهَا سَقِيمٌ ، وَظَاعِنُهَا مُقِيمٌ ! »
إشارة إلى أنّ الفتنة تطال حتى من يعتقد بأنّه بعيد عن مخاطر هذه الفتنة ، كما يقع فيها حتى من ظن باستطاعته الهرب منها ، فهي فتنة كاسرة قاصمة قلّ من ينجو منها .
هامش
( 1 ) . « عبيط » من مادة ( عبط ) على وزن خبط بمعنى قطع رأس الحيوان ويقال الدم العبيط للدم الطري الذييجري من بدن الإنسان أو الحيوان
( 2 ) . « مرعاد » من مادة ( رعد ) الشيء العظيم الصوت والمبراق من مادة ( برق ) الشيء البراق الذي يخطف الأبصار