الذي يضل فئة من الناس .
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى شدّة تلك الفتنة قائلًا :
« مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ ، وَمَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ ؛ يَتَكَادَمُونَ « 1 » فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ « 2 » فِي الْعَانَةِ ! »
وهذه العبارة تأكيد لما ذكر في الكلام السابق بشأن الفتنة الأولى من أنّ رؤوس الفتنة متحدون بادىء الأمر ، أنّهم سرعان ما يسعون لطرد كل منهم الآخر عند الغلبة ، ثم تطرق إلى أوضاع الناس الدينية والأخلاقية آنذاك فقال :
« قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ ، وَعَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ . تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ ، وَتَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ ، وَتَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا « 3 » ،
وَتَرُضُّهُمْ « 4 » بِكَلْكَلِهَا « 5 » »
. نعم ، حين يغيب العلماء عن مسرح الأحداث تؤول الأمور إلى الظلمة ليقولوا ما يريدون ويحملوا الآخرين على فعل ما يشاؤون ، آنذاك تعم الفتنة لتشمل البلاد بأسرها وتأتي على القرى الصغيرة والنائية .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بشأن فضاعة أخطار هذه الفتنة ( حيث يصبح الوضع بالشكل الذي ) يضيع في غبارها المشاة من الأفراد وتهلك فيها الفرسان :
« يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ ، وَيَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ »
. إشارة إلى أنّ الفتنة على درجة من القوّة بحيث يكفي غبارها لقمع المعارضين المتفردين ، كما تعصف بالجمع الكثير منهم إن اعترضوا سبيلها ، بالتالي ليس لأحد القدرة على مواجهتها والصمود بوجهها .
قال بعض شرّاح نهج البلاغة في تفسيرهم لهذه العبارة ، إنّ المراد ب
« الوحدان »
، العلماء والفضلاء الذين يبتلون بغبار الشبهات ويضيعون الحق ، والركبان كناية عن الفئات المقتدرة التي لا تقوى أيضاً على مقاومة رؤوس الفتنة وتهلك في مواجهتها ؛
هامش
( 1 ) . « يتكادمون » من مادة ( كدم ) على وزن شرم بمعنى العض والتكادم أن يلتحم حيوانان فيعض كل منهماالآخر
( 2 ) . « حمر » جمع حمار ، بمعنى الحمار الوحشي هنا بقرينة العانة وهي الجماعة من حمر الوحش
( 3 ) . « مسحل » من مادة ( سحول ) بمعنى الفأس والمبرد وما شابه ذلك ممّا يبرد به الشيء
( 4 ) . « ترض » من مادة ( رض ) التهشيم
( 5 ) . « كلكل » بمعنى الصدر