ثم قال عليه السلام :
« وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هذَا نَفْسَ هذَا ، وَلَيَأْتِيَنَّ هذَا عَلَى هذَا »
، والطريف أنّ ما أورده الإمام عليه السلام في العبارة السابقة بشأن طلحة والزبير يصدق على جميع الأفراد الذين يتحدون من أجل نيل السلطة دون أن يكون لهم أي دافع إلهي ، فهم متحدون ومتفقون مادامهم لم ينتصروا ، فبمجرّد الانتصار يسعى كل واحد منهم للقضاء على الآخر والتفرد بالسلطة ، وشواهد ذلك كثيرة على مرّ العصور وفي كل زمان ومكان ، والحال لو كانت الدوافع إلهيّة لدام الاتحاد وربّما اقترح كل السلطة على غيره ، وقد اتضحت حقيقة كلام الإمام عليه السلام بشأن طلحة والزبير حتى قبل شروع معركة الجمل وتنازعهما على الزعامة ، وهذا ما سنتناوله إن شاء اللَّه في البحث القادم ، ولما كانت هذه الخطبة قبل معركة الجمل فقد دعى الإمام الناس إلى الوقوف بوجه ناقضي العهد الذين حملوا رايات معركة الجمل فقال :
« قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ، فَأَيْنَ الُمحْتَسِبُونَ « 1 » ! فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ » .
والعبارة الفئة الباغية إشارة إلى كل جماعة تقوم بوجه الحق وحكومة العدل ، كما يصدق هذا الكلام على أصحاب الجمل ، وعلى أعوان معاوية أيضاً ، لأنّهم وقفوا جميعاً ضد الحق ، ومن هنا جاء في الحديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لعمّار الذي استشهد في صفين وقتله أعوان معاوية :
« يَا عَمّارُ تَقتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيةُ » « 2 » .
والمفردة « المحتسبون » إشارة إلى الأفراد الذين يجاهدون حسبة للَّهولا ينتظرون سوى ثوابه وأجره .
والعبارة
« فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ . . . »
، إشارة إلى أنّ سنن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد عرضت السبل اللازمة للقيام ضد البغاة والعصاة .
العبارة :
« وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ »
، إشارة إلى حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لصحبه :
« تُقاتِلُونَ النّاكِثِينَ والقَاسِطِينَ والمَارِقِينَ » « 3 »
، بناءاً على هذا وبالنظر إلى اتضاح الضلال بالنسبة لتلك
هامش
( 1 ) « المحتسب » : من مادة « حسبة » بمعنى الإتيان بالعمل حسبة للَّهوإرادة الثواب منه سبحانه ، ووردت مفردة المحتسب بمعنى المأمور الذي يكلف من الحكومة للإشراف على إجراء أحكام الدين ولعل ذلك لأنّه يقوم بالعمل للَّه ، أو أنّ هدفه حساب عمل الناس .
( 2 ) وردت هذه الرواية في أغلب مصادر العامّة ومنها مسند أحمد بن حنبل وصحيح مسلم وطبقات ابن سعد ومصادر أخرى ( انظر إحقاق الحق 8 / 422 ) .
( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 187 طبع دار الفكر .