وأضاف بعد ذلك بهدف استماع الناس للمواعظ الإلهيّة ويبعدوا عنهم الكبر والغرور ويسلموا لأوامر اللَّه : « وَإِنَّهُ لَايَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ ، وَسَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ » ، في إشارة إلى أنّ أولئك الذين يعيشون الغرور والتكبر غافلون عن عظمة اللَّه سبحانه ، والذين يغترون بقدرتهم جاهلون بقدرة اللَّه تعالى ، أمّا من عرف اللَّه وقدرته فهو يدرك أنّه لا شيء تجاهه ، عليه فلا داعي لهذا الكبر والغرور الفارغ .
ثم قال على سبيل الاستنتاج :
« فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ ، وَالْبَارِي « 1 » مِنْ ذِي السَّقَمِ »
، إشارة إلى أنّ سعادتكم وفلاحكم وسلامتكم في اتباع الحق ، وأنّ النزوع نحو الباطل نوع من أنواع المرض والسقم ، لكن من المؤسف هناك من يهرب من الحق وكأنّه يفر من مرض معدي ، أو حسب تعبير القرآن الكريم : « كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » « 2 » .
ثم عرض الإمام عليه السلام في الخطوة التالية سبيلًا واضحاً بهدف هداية مخاطبيه إلى الحق وإبعادهم عن الباطل فقال :
« وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ ، حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ » ،
والواقع هذا هو أحد طرق معرفة الحق والباطل والذي ينطوي تحت القاعدة المعروفة :
« تعرَفُ الأَشياءُ بِأضدَادها »
، فالإنسان يجهل معنى العافية ما لم يمرض ولا يدرك مفهوم الضياء ما لم يرى الظلمة ، فقد اعتبر الإمام عليه السلام - في هذا المقطع من الخطبة كما ورد في العبارة المذكورة - التعرف على تاركي الحق ومخالفيه كطريق بلوغ الحق ، فأشار إلى ثلاث طوائف :
طائفة تركت الحق ، وطائفة نقضت ميثاق القرآن ، والطائفة الثالثة التي نبذته وراء ظهرها ، والفارق بين هذه الطوائف الثلاث واضح ، فالبعض يترك الحق دون أن يحضره والبعض الآخر يحقره علاوة على تركه ، وأخيراً هناك من ينقض عهود اللَّه ومواثيقه ، والذي وردت الإشارة
هامش
( 1 ) « البارىء » : من مادة برء على وزن قفل لها معنيان : الأول : بمعنى الخالق والايجاد ومن هنا يقال للَّهالباريء ، والآخر : بمعنى الابتعاد عن الشيء ولذلك تستخدم بمعنى العافية والبعد عن المرض وهذا هو المعنى المراد بها في عبارة الخطبة .
( 2 ) سورة المدثر / 50 - 51 .