تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ ، فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَايُؤْوِيهِمَا « 1 » مُؤْوٍ » . ثم أكّد عليه السلام قائلًا : « فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ ! » ، فهم يتلون القرآن في دورهم وعلى منابرهم ، ويقبّلونه ويتبركون به ، بينما ليس هنالك أدنى أثر لتعاليمه ومفاهيمه في حياتهم الفردية والاجتماعية ، فقد اكتفوا من القرآن بغلافه وتركوا مضمونه ، انهمكوا بالألفاظ وأهملوا المعاني . ثم خاض عليه السلام في الدليل قائلًا : « لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَاتُوَافِقُ الْهُدَى ، وَإِنِ اجْتَمَعَا » . نعم ، فالضالون في وادي والهدى وأتباعه في وادي آخر ، وإن كانوا معاً في الظاهر ، والدليل الآخر المهم لشقائهم : « فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ ، وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ » ، بعبارة أخرى فقد اتفقوا على أن لا يتفقوا ، وقد أدّت هذه الفرقة إلى أن يفسّر كل القرآن حسب رغبته ، أو بعبارة أخرى فقد أسسوا بنيانهم على التفسير بالرأي ، يأخذون ما ينسجم مع رغباتهم من آيات بينما يسعون لتوجيه البعض الآخر من الآيات التي تتعارض وأهوائهم بما يتفق ورغباتهم ، فهم يجعلون أنفسهم أئمة القرآن بدلًا من أن يكون القرآن الكريم إمامهم ، ولذلك فهم لا ينتفعون بالقرآن ، بل يجعلونه الموجّه لضلالهم ، فيزدادوا ضلالًا وبعداً عن القرآن الكريم . ثم رسم صورة واضحة عن مصير القرآن في ذلك العصر والزمان بعبارة رائعة لا تماثلها عبارة فقال عليه السلام : « فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ ، وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ « 2 » » ، فقد يسطر القرآن بخطوط غاية في الجمال وتذهب صفحاته وغلافه ويبتدعوا روائع الفن بهذا الخصوص وتتداول الأيدي القرآن ويتلى في المساجد بمختلف الأصوات بصورة فردية وجماعية ، ولكن دون أن يكون هناك أدنى خبر عن مضمونه ومحتواه ، بالضبط كالدواء الشافي الذي يوضع في زجاجة جميلة تترك على الرف دون أن يتناول المرضى منها شيئاً ، وهنا يبرز هذا السؤال : هل الصالحون والمؤمنون وأصحاب القرآن صامتون في ذلك الزمان ؟ كأنّ الإمام عليه السلام أجاب في
هامش
( 1 ) « يؤوي » : من مادة « ايواء » بمعنى الملاذ والملجأ . ( 2 ) « زبر » : بالفتح الكتابة ( وقد جاء بالمعنى المصدري واسم المصدر ) .