الجنّة لا تعطى لأحد بالمجان ، كما لا تتأتى من خلال الظن والتصور والخيال والزعم الفارغ ، فمفتاح الجنّة الأعمال الصالحة ، والأعمال الصالحة تنبعث من التقوى .
ثم قال عليه السلام في مواصلة لشرح وضع الدنيا والآخرة ومنزلة كل جماعة :
« فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ ، بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ »
، فالنظرة الإسلامية التي تعرض لها القرآن الكريم ونهج البلاغة مراراً تكمن في أنّ الدنيا دار ممر وأنّها قنطرة وميدان للتدريب وبالتالي فهي متجر ومقدمة للآخرة الموضوع الأصلي للإنسان ، وإن اعتمدنا هذه النظرة للدنيا آنذاك سيبدو لنا كل شيء بصيغة أخرى وستحول دون مقارفتنا للذنب والظلم ، وتسوقنا نحو الخير والاحسان .
أمّا أتباع المدارس المادية التيترى الدنيا ولذاتها هدفها النهائي ، وقد غفلت تماماً عن الآخرة ، فليس هناك من حد لتلوثها بالذنوب والنزاعات من أجل الاستحواذ على الأموال والمناصب الظاهرية ، وعليه فلا أمل في إطفاء غائلة المعارك والنزاعات بينها ، وأخيراً خلص الإمام إلى نتيجة رائعة عميقة المعنى فقال :
« فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ « 1 » . وَقَرِّبُوا الظُّهُورَ
لِلزِّيَالِ « 2 » » ،
في إشارة إلى أنّ الوقت ضيق والموانع كثيرة وزمان الرحيل مجهول تماماً ، ولا ينبغي أن يقتصر التأهب على الكهول ، بل لابدّ أن يعيش ذلك التأهب حتى الشباب على الدوام ، فما أكثر من بقي من الآباء الكهول والعجزة ، بينما رحل الشبان الأشداء .
نتيجة الخطبة
أشار الإمام في هذه الخطبة إلى أمور مهمّة يمكن إيجازها في ما يلي :
1 - لفت الأنظار في بداية الخطبة إلى حضور اللَّه سبحانه في كل مكان وعلمه بخفايا الإنسان وباطنه ، ليراقب الجميع أعمالهم .
هامش
( 1 ) « أوفاز » : جمع « وفز » على وزن نبض السرعة والعجلة والاستعداد للسفر .
( 2 ) « الزيّال » : بمعنى الفراق والعبارة « قربوا الظهور للزيّال » تعني أعدوا المراكب للرحيل من الدنيا ولازمةذلك الإتيان بالأعمال الصالحة والتوبة من الذنوب وأداء حقوق المخلوق والخالق .