تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وقال في الثانية : « أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ ، الُمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ » . ثم قال عليه السلام : « أَظْأَرُكُمْ « 1 » عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى « 2 » مِنْ وَعْوَعَةِ « 3 » الْأَسَدِ ! » ، العبارة « أظأركم » بالنظر إلى أنّ « ظأر » جاءت في اللغة بمعنى القابلة ، فهي تشير إلى مراده أنّي كالقابلة الشفيقة قد رويتكم على الدوام من عين الحق الجياشة ، لكنّكم كنتم تفرون من ذلك دائماً ، تفرون فراركم من الأسد ، وهذه أسوأ حالة يمكن أن تعرض لإنسان فينفر من الحق ويهرب منه بالشكل الذي يفوق التصور ، والعبارة « وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ! » ، تعبير رائع فلم يقل « من الأسد » بل قال « وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ! » يعني إنّ هذا الحيوان على درجة من الجبن بحيث لا ينظر إلى أطرافه ليرى هل هو أسد أم لا ، بل يهرب لمجرّد سماعه الصوت ، وهذا هو حال بعض الحيوانات التي تهرب إذا سمعت زئير الأسد مهما كانت المسافة بعيدة في الصحراء . ثم قال عليه السلام : « هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ « 4 » بِكُمْ سَرَارَ « 5 » الْعَدْلِ ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ » . قطعاً ليس للحق من إعوجاج ليراد قيامه ، والمراد يخلطونه بالباطل وقد سعى أئمة الهدى عليهم السلام لتخليص الحق من شوائب الباطل ، كما ليس في العدل من ظلمة ليجلوها عنه ، فالظلم الذي غالباً ما يخالط العدل ويلبسه على حال لا شك أنّ إزالة الظلمة عن العدالة وتمييز الباطل عن الحق ، يتطلب أعواناً وأنصاراً من أهل الوعي والتضحية ، ولم يكن للجهال والغدرة المشتتين كأهل الكوفة من قدرة للاستعانة بهم في إزالة الظلمات وتسوية الاعوجاجات ، وهذا داء دوي عرض لإمام عادل وشجاع كعلي بن أبي طالب عليه السلام .
هامش
( 1 ) « أظأر » : من مادة « ظأر » على وزن ضرب تعني في الأصل المراقبة والمواظبة على الشيء ولما كان عمل‌القابلة الإرضاع ومراقبة الطفل فقد استعملت هذه المفردة لها . ( 2 ) « المعزى » : بمعنى السخلة في مقابل الضأن بمعنى الخروف . ( 3 ) « وعوعة » : بمعنى الضراخ والضجة والزئير ، وتطلق على الأموات المتداخلة . ( 4 ) « اطلع » : لها معنى اللازم وهو الطلوع والظهور وكذلك معنى المتعدي ، وهنا بالنظر لسرار مفعولها فقد وردت متعدية ، والباء في بكم للاستعانة أو السبب . ( 5 ) « سرار » : من مادة « سر » تعني في الأصل آخر ليلة من الشهر « ليلة المحاق التام ) ويراد بها شدّة الظلمة .