القسم الأول : لستم من الأصحاب الأخيار
« أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الُمخْتَلِفَةُ ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ » » .
الشرح والتفسير
من الحوادث الأليمة في التاريخ الإسلامي أن يبتلى إمام عالم وكفوء مقتدر كعلي عليه السلام بناس جهّال وعبدة للأهواء يعيشون النتاحر والفرقة ، فقد كانوا وسائل سيئة لإقامة حكومة الحق والعدل ، وقد رأينا منذ بداية الكتاب لحدّ الآن في مختلف خطب نهج البلاغة أنّ الإمام علي عليه السلام كان يتألم بشدّة من هذا الأمر وكان دائم الشكوى ، باحثاً عن مختلف الأساليب لعلاج أمراضهم النفسية والأخلاقية ، فقد قال عليه السلام مستهلًا هذه الخطبة :
« أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الُمخْتَلِفَةُ ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ » .
فقد ركز الإمام عليه السلام هنا على الجذور الأصلية لداء المجتمعات والأمم ، ألا وهو الاختلاف والتشتت والذي يؤدّي إلى النزاعات وهدر الطاقات ، والعبارة :
« الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُم . . . »
إشارة إلى حضورهم الجسماني في المجتمع وغيابهم الفكري والروحي عن الحوادث الخطيرة التي تصيب المجتمع ، أمّا أهمية هذا الموضوع فقد دفعت بالإمام إلى ذكر مثل هذه العبارات مع اختلاف طفيف في الخطب الأخرى ، كالذي ورد في الخطبة 29 و 97 حيث قال في الأولى :
« أَيُّهَا النَّاس ، الُمجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ ، والُمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ » .