وهنا وقف أبو ذر رحمه الله فودعه القوم ، وخطب الإمام عليه السلام بهذه الكلمات التي تتضمن كل واحدة منها نقطة مهمّة بهدف مواساة أبي ذر وتحمله المصاعب التي ستواجهه في المستقبل ، فقد أشار عليه السلام إلى ست نقاط فقال أولًا :
« يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ » .
أمّا قوله عليه السلام فارج من غضبت له ولم يقل ارج اللَّه ، فالواقع بيّن الإمام عليه السلام دليل ذلك الأمل ، لأنّ كل شخص يغضب لآخر بالنسبة لشيء يؤذيه ، فمن الطبيعي أنّ ذلك الشخص سيقف إلى جانبه .
وقال في الثانية :
« إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ ، وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ » .
إشارة إلى أنّهم شعروا بالخطر على حكومتهم ومنافعهم المادية إثر صراحة كلامك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلم يستطيعوا تحمل وجودك في المدينة ، لكنّك قاطعتهم ولم تقبل بذلهم ، وذلك لأنّك شعرت بالخطر على دينك ، فلما قمت بوظيفتك واطلعت الناس على أعمال هؤلاء الحكام ، فاتركهم واهرب بدينك وإيمانك .
ثم قال الإمام عليه السلام :
« فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً ، وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً » ،
فهم بحاجة إلى دينك ، الدين الذي لم تكن مستعداً للتضحية به من أجل دنياهم ، لكنّك لست بحاجة إلى دنياهم وإن منعوها عنك « 1 » ، والعبارة « وستعلم . . . » مواساة أخرى لأبي ذر فعمر الدنيا قصير كأنه ويوم وغدا تقوم القيامة ، أنذاك سيفتضح الظلمة عبدة الدنيا ويغبطون الأتقياء على درجاتهم العالية ، ثم ضاعف من ذلك الرجاء في قلب أبي ذر فقال في الثالثة :
« وَلَوْ أَنَّ السَّموَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً « 2 » ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ
لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً ! » .
والواقع هو أنّ هذه العبارة إشارة إلى الآية الشريفة :
« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُ » « 3 » .
هامش
( 1 ) وعليه تفسير « ما » بالموصولة بمعنى الدين لأنّهم أرادوا أن يستفيدوا من دين أبي ذر لصالح دنياهم ، فحالأبو ذر دون ذلك ، كما يحتمل أن يكون الدين بصورة مطلقة ، إلّاأنّ هناك تقديراً في العبارة حيث يكون المعنى ما أحوجهم إلى الدين ، الدين الذي حذرت عليه من إفسادهم له .
( 2 ) « رتق » : إلتحام شيء بآخر وتعني في العبارة إغلاق طرق الخلاص والفرار .
( 3 ) سورة الطلاق / 2 - 3 .