حي شرير لا قيمة له وقد كبّه الإمام عليه السلام على وجهه وهو ينظر إليه بحقارة ، وتشبه هذه العبارة ما ورد عن الإمام عليه السلام في قصار كلماته حيث قال :
« يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا ، إِلَيْكِ عَنِّي أَبِي تَعَرَّضتِ ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟ لَاحَانَ حِينُكِ ، هَيْهَاتَ ! غُرِّي غَيْرِي ، لَا حَاجَةَ لي فِيكَ ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثاً لَا رَجْعَةَ فِيهَا ! » « 1 » .
ولعل شقاء أهل الدنيا المتكالبين عليها إنّما يعود إلى تقييمهم الباطل للدنيا فهم يرونها بعين أخرى فيعظمونها ويركعون لها ويضحون بالغالي والنفيس من أجلها ، أمّا ما هو الارتباط بين هذه العبارة والعبارات السابقة بشأن أخطار صاحب الزنج ، فيبدو أنّ شرّاح نهج البلاغة لم يخوضوا في توضيح هذا الأمر ، وربّما كان الارتباط من خلال ذلك الظرف العصيب الذي أصاب أهل البصرة بسبب حبّ الدنيا ، فقد شيّدوا القصور واهتموا بالدور وعاشوا الاسراف والتبذير في حياتهم ، في حين عانى غالبية العبيد في مدنهم ومزارعهم الأمرّين فسامهم الزنوج أنواع العذاب .
تأمّل : قيام صاحب الزنج
ظهر في البصرة عام 255 ه ق على عهد الخليفة العباسي المهتدي رجل زعم أنّه علي بن محمد ونسب نفسه إلى الإمام زين العابدين وزيد بن علي عليهما السلام وقد دعى العبيد للقيام ضد مالكيهم ولبّوا دعوته مسرعين بسبب صعوبة معيشتهم في الدور والمزارع في خدمة السلاطين فاجتمع له مائة نفر وألف نفر ، وقد وعدهم بعتقهم وتسليمهم أموال مالكيهم ومزارعهم ، وكانت الطبقية شديدة في ذلك الزمان ، فالبعض مرفه في القصور كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذه الخطبة ، والبعض الآخر يعيش الحياة الصعبة ، لذلك التحق به جماعة من غير العبيد أيضاً ، فاجتمع له جيش عظيم ، لقد أشعل في قلوب العبيد والمحرومين نار
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 77 .