والإمام عليه السلام لم يذكر إسماً لزعيم الجيش ، إلّاأن القرائن الواردة في هذه العبارات وما بعدها تشير إلى أنّ المراد به صاحب الزنج الذي قام في البصرة عام 255 ه ق وجمع حوله العبيد وقد خلق هناك فتنة عظيمة سنعرض لتفاصيلها في البحث القادم إن شاء اللَّه .
والعبارة :
« لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ »
والعبارات القادمة تدلّ صراحة على أنّ جيش صاحب الزنج كان من المشاة ، حيث لم يكن لهم من خيول ليركبوها ، طائفة من العراة المستضعفين الذين ساءت أحوالهم فقاموا على الأسياد فارتكبوا الجرائم الفضيعة ، والعبارة يثيرون الأرض بأقدامهم تدلّ على أنّهم كانوا حفاة وقد اتسعت أرجلهم بسبب المشي حفاة طيلة أعمارهم لتصبح كرجل الناقة ، مع ذلك كانوا مخفين في السير والحركة ، وحين وصل هنا المرحوم السيد الرضي رضي الله عنه قال :
( قَالَ الشَّرِيفُ : يُومئ بذلك إلى صاحب الزنج ) .
ثم قال عليه السلام :
« وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَايُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ ، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ » .
والذي يستفاد من هذه العبارة أنّ البصرة كانت عامرة ( وإن عاش العبيد منتهى الشقاء والعسر ) فقد كانت بيوتهم كالقصور مزودة بالشرفات والظلال الجميلة وخراطيم المياه التي تزيدها روعة وجمالًا ، وكما سيأتي فانّ كل ذلك قد تحطم إثر قيام صاحب الزنج وقد ضرّج أصحاب القصور بدمائهم ، والعبارة
« لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ ، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ » .
تشير إلى أنّ العبيد لم يكونوا ذوي زوجات وأولاد ، بل كانوا عزّاباً فلا نادية لهم من الأقرباء ليبحثوا عنهم ويتفقدونهم ويبكون عليهم ، وهذه هي صفات العبيد في ذلك الزمان حيث كانوا يجلبون إلى البلاد الإسلامية وغير الإسلامية بالقهر والغلبة من البلدان البعيدة خاصّة أفريقيا ، وخلافاً للتعاليم الإسلامية فقد كانوا يعاملون كالحيوانات ، فكان قيام صالحب الزنج ردّ فعل تجاه المعاملة غير الإسلامية والإنسانية ، ثم قال آخر كلامه :
« أَنَا كَابُّ « 1 »
الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا ، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا ، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا » .
فهذه العبارات الثلاث إشارة إلى تفاهة متاع الدنيا لدى الإمام عليه السلام وكأنّ الدنيا موجود
هامش
( 1 ) « كأب » : من مادة « كب » على وزن خط تعني في الأصل طرح الشيء على وجهه في الأرض .