تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
آخر على أن تحكيم الحكمين كان مشروطاً بأن يتمّ على ضوء القرآن لا على أساس الأهواء النفسية والعقد الشخصية ، فلم يعملا بهذا الشرط وهذا ذنبهم لا ذنب الإمام عليه السلام فقال : « فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ » . جدير بالذكر إنّه ورد نفس هذا المطلب الذي أشار إليه الإمام عليه السلام في متن العهد الذي أشرنا إليه سابقاً : « وإنَّ كِتابَ اللَّهِ سُبحانَهُ بَينَنا مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلى خاتِمَتِهِ نُحيي مَا أَحيا القُرآنُ ونُمِيتُ مَا أَماتَ » . ثم أضاف قائلًا : « وَإِحْيَاؤُهُ الاجْتَماعُ عَلَيْهِ ، وَإِمَاتَتُهُ الافْتِرَاقُ عَنْهُ » ، ووضح هذه العبارة من خلال التأكيد على مضمونها بالقول : « فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا » . فهذا الكلام منطقي يدركه من كان له أدنى فكر وشعور ، لكن كأن الخوارج لم يتمتعوا حتى بهذه النعمة الإلهيّة ، ثم بيّن الإمام عليه السلام هذا المطلب بتعبير أوضح بحيث يبدو وكأنّه اشتاط غضباً من جهلهم وكلامهم الذي يفتقر إلى المنطق فقال : « فَلَمْ آتِ - لَاأَبَالَكُمْ - بُجْراً « 1 » ، وَلَا خَتَلْتُكُمْ « 2 » عَنْ أَمْرِكُمْ ، وَلَا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَايَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ » ، لكنّهم فقدوا عقلهم « إيمانهم » وتركوا الحق وهم يرونه بأم أعينهم ، كما كان الظلم والجور ديدنهما وهواهما فاتخذوا سبيلًا وقد كنّا اشترطنا عليهما قبل أن يحكما بذلك الحكم الظالم أن يستندا إلى العدل ولا يهملا الحق : « فَتَاهَا عَنْهُ ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ . وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا - فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ ، وَالصَّمْدِ « 3 » لِلْحَقِّ - سُوءَ « 4 » رَأْيِهِمَا ، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا » . فالواقع أنّ زبدة الكلام الإمام عليه السلام هي : أولًا : إنّ انتخاب الحكمين كان على أساس ضغطكم وإصراركم على هذا الأمر ، فإن كان
هامش
( 1 ) « بجر » : بضم الباء الشر والأمر العظيم ، كما ورد بمعنى اتساع البطن وملأها . ( 2 ) « ختلت » : من مادة « ختل » على وزن قتل بمعنى المكر والخداع . ( 3 ) « الصمد » : بمعنى المكان المرتفع ، كما يرد بمعنى القصد وعدم الاعتماد وهذا هو المعنى المراد في العبارة . ( 4 ) « سوء » : مفتوح مفعول سبق الذي ورد في أول العبارة ومفهوم الجملة قبل أن يبدي هؤلاء الرأي الظالم والفاسد قد اشترطنا عليهم إننا سوف لن نقبل رأيهم إن حاد عن الحق .
نفحات الولاية — صفحة 220 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي