إِيمَاناً ، وَمُضِيّاً عَلَى الحَقِّ ، وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ « 1 » الجِرَاحِ » .
نعم ، لقد كنّا نهجم بشدّة آنذاك على العدو ، وإن كان فيهم إخواننا وقرابتنا ، فالمصاب وإن عظم علينا ، لكن حيث كان ذلك يأمر فقد كنّا نزداد إيماناً ، ولم نجابه كل مصائب المعارك وجراحاتها إلّابالصبر والشكر :
« وَلكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالاعْوِجَاجِ ، وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ . فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ « 2 » اللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا « 3 » ، وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيَما بَيْنَنَا ، رَغِبْنَا فِيهَا ، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا » .
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى أن قياس زمانه بزمان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هو قياس مع الفارق ، وذلك لأنّ القتال ذلك الزمان كان يدور مع العدو الخارجي ، بينما أصبح زمان الإمام عليه السلام ضد الأصدقاء المخدوعين والمنحرفين من الداخل ، فالواقع يستند موقف الإمام عليه السلام في قبول التحكيم إلى الآية الشريفة : « وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ » « 4 » .
صحيح أنّ أصل مسألة التحكيم خدعة ولم يكن أمراء جيش الشام يعتقدون بالقرآن ، ولهذا السبب كان الإمام شديد المخالفة في بادىء الأمر ، لكنّه استجاب لذلك الأمر بعد ذلك الضغط الشديد الذي مارسه السواد الأعظم المخدوع من جيشه مع ذلك كان بالإمكان أن تتمخض مسألة التحكيم عن نتائج مرضية لو خضعت لقيادة سليمة ، ولكن كما نعلم فانّ ضغوط الجهّال قد دفعوا التحكيم إلى مسار لا يجر عليهم سوى الضرر والخسارة .
هامش
( 1 ) « مضض » : الألم والحرقة .
( 2 ) « يلمّ » : من مادة « لمّ » على وزن غمّ بمعنى جمع ، وتأتي أحياناً بمعنى الجمع والإصلاح .
( 3 ) « شعث » : وردت في الأصل بمعنى ما يقع عليه الغبار ، ثم يطلق على نوع من التشتت والتفرق .
( 4 ) سورة الحجرات / 9 .