من عهوده المقدّسة ، وهو الأمر الذي أكده القرآن الكريم أربع مرّات محذراً من اتّباع الشيطان :
« وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ . . . » « 1 » .
وقال تعالى : « وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ . . . » « 2 » .
فان جعل الإنسان غير مكترث للأحكام الإلهيّة وسادت المجتمع الأهواء ، آنذاك يستفيد من تضارب المصالح المادية والتعصبات الجاهلية ليدعو الناس إلى الفرقة ، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم : « إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ . . . » « 3 » .
ومن الطبيعي إن اشتعلت نيران الفرقة والاختلاف والنفاق في المجتمع استتبع ذلك ظهور الفتن ، وممّا لا شك فيه فانّ دين الأفراد ودنياهم تتحطم بفعل تلك الفتن ، ولعل هذا هو الأمر الذي أجراه الشيطان في أحدث معركة صفين ، فقد لقنهم الشيطان باديء الأمر أن قبول التحكيم هو أسهل الطرق لبلوغ الصلح والاستقرار ، ثم دعاهم للتمرد على أوامر المحكم أمير المؤمنين علي عليه السلام في مجال الجهاد ، آنذاك بث بذور الفرقة والنفاق بين صفوف الجيش حتى انتهى الأمر إلى فتنة عمرو بن العاص وأثرها فتنة الخوارج .
ثم قال الإمام عليه السلام بغية عدم سقوط أصحابه في شباك الشيطان :
« فَاصْدِقُوا « 4 » عَنْ نَزَغَاتِهِ « 5 » وَنَفَثَاتِهِ « 6 » ، وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ ، وَاعْقِلُوهَا « 7 » عَلَى أَنْفُسِكُمْ » .
ويصدق هذا الأمر في عصرنا وزماننا ، فالشيطان يري طرقه المنحرفة سهلة وبسيطة بادىء الأمر ، ويسحب الناس إليه ، ثم يسلبهم القيم الإسلامية الواحدة بعد الأخرى ، ثم يبث بينهم بذور الفرقة والخلاف ، وأخيراً تقود الفرقة إلى اشتعال نيران الفتن السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
هامش
( 1 ) سورة البقرة / 168 .
( 2 ) سورة البقرة / 208 ؛ سورة الأنعام / 142 ؛ سورة نور / 21 .
( 3 ) سورة المائدة / 91 .
( 4 ) « اصدقوا » : من مادة « صدق » على وزن عطف بمعنى الإعراض .
( 5 ) نزغات » : جمع « نزغة » على وزن ضربة وساوس .
( 6 ) « نفثات » : جمع « نفثة » تعني هنا الوسوسة .
( 7 ) « اعقلوها » : من مادة « عقل » على وزن دغل احبسوها على أنفسكم لا تتركوها فتضيع منكم ، والعقلربط رجل الناقة .