الخلقة ، الأول : استواء هذه الموجودات دون أي اعوجاج أو انحراف :
« فأقام من الأشياء أودها » « 1 »
الثاني : أنّه عين لها المسار الذي ينبغي لها أن تسلكه
« ونهج حدودها » .
الثالث : تأليفه بين الأشياء المتضادة بقدرته
« ولاءم يقدرته بين متضادها »
. الرابع : ربطها مع نظائرهأ
« ووصل أسباب قرائنها » .
والخامس : تقسيمها إلى أنواع مختلفة على أساس الحدود والأجناس والمقادير والغرائز والاشكال والهيئات
« وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات »
وهكذا تمّ نظام الخلق وتكامل من جميع الجهات ليقوم بوظائفه على اختلاف أنواعه وأجناسه كوحدة واحدة ضمن قانون واحد . وأبعد من ذلك تعاضدت وتعاونت حتى الأشياء المتضادة لتفرز نتائج باهرة ، كما اتصلت الأشباه والنظائر ، لتشكل بالتالي مجموعة بديعة عجيبة تشير إلى مدى قدرته المطلقة سبحانه وعلمه التام .
ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالقرائن في العبارة هي نفوس البشر التي أقرها اللَّه في الأبدان ، حيث يبدو في الظاهر أنّ هناك تضاد بين البدن الذي ينتمى إلى عالم المادة والنفس التي تنتمي إلى عالم المجردات .
طبعاً وان كان أحد معاني القرينة ( وجمعها قرائن ) في اللغة هو النفس الإنسانية إلّاأننا لا نمتلك الدليل الذي يجعلنا نصرف المعنى المذكور ليقتصر على هذه النفس : بل الهدف هو بيان جمع الأضداد ووصل القرائن والأشباه في جميع أنحاء عالم الوجود والذي يعد الوجود الإنساني أحد مصاديقه ، وأنّ أصل إطلاق القرينة على نفس الإنسان إنّما يعزى لاقترانها ببدنه .
ثم إختتم عليه السلام كلامه بالقول على أساس الخلوص إلى نتيجة واضحة :
« بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها » « 2 » .
تأمّل : أوضح طريق إلى معرفة اللَّه
يعتبر تأكيد الإمام عليه السلام على التفكير في عالم الخلق والتأمل في خلق المخلوقات دون
هامش
( 1 ) « أود » بمعنى الاعوجاج .
( 2 ) الجملة من حيث النحوهي أنّ « بدايا » خير لمبتدأ محذوف تقديره هذه ، وإضافة بدايا إلى الخلائق من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف ، التي تعنى في الأصل خلائق بدايا ، وبدايا جمع بديئه المصنوع البديع .