فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد أشار بالعبارة الأولى إلى ما ورد في القرآن الكريم : « اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها » « 1 » ويصرح علماء الفلك بان الكرات السماوية منفصلة عن بعضها وأنّ التوازن القائم بين القوةالجاذبة والطاردة هي التي تبقى على كل واحدة في موضعها .
بينما أشارت العبارة الثانية إلى ارتباط أجزاء كل كرة وتماسكها مع بعضها . وعليه فليس هنالك من تضاد بين العبارتين
« ونظم بلا تعليق رهوات فرجها ، ولاحم صدوع انفراجها » .
فالأولى ناظرة للكل والأخرى للأجزاء ( ووحدة الضمائر هنا لا تسبب أي اشكال ، لأنهما تعودان إلى السماوات ، أحدهما إلى المجموع والآخر إلى الجزاء ) ( لابدّ من الدقة والتمعن هنا ) .
ثم أشار في العبارة الثالثة إلى الرابطة بين الكرات السماوية القرينة لبعضها ، فقال عليه السلام :
« ووشج « 2 » بينها وبين أزواجها »
يمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى منظومات العالم العلوي المتألف من كرات شبيهة لبعضها إلى جانب النظام الذي كل كرة « 3 » ثم أشار عليه السلام في العبارة الرابعة إلى طرق هبوط وصعود الملائكة إلى السماوات :
« وذلل للهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه ، حزونة معراجها » « 4 » .
وهنا يتبادر هذا السؤال : هل الملائكة وجودات مادية ولها صعود وهبوط مادي من وإلى السماوات ، أم أنّ المراد بهذا الصعود والهبوط هو الصعود والهبوط المعنوي ؟ هنالك عدّة أقوال لشرّاح نهج البلاغة بهذا الخصوص .
ظاهر هذه العبارات الواردة في الخطبة وأغلب الروايات والأخبار والآيات القرآنية ، أنّ الملائكة وجودات نورية لها بعد جسمي رغم لطافتها التي تحول دون قدرتنا على مشاهدتها ،
هامش
( 1 ) سورة الرعد / 2 .
( 2 ) « وشج » من مادة « وشج » على وزن نسج أي شبك .
( 3 ) فسّر البعض « الأزواج » هنا بمعنى الأرواح ( النفوس الفلكية ) وترمز إلى عقيدة بعض الفلاسفة الذينيرون لكل فلك روحا مجردة ، إلّاأنّ الانصاف هو عدم ثبوت هذه النظرية بدليل واضح ، كما لا تدل العبارة المذكور على هذا الأمر .
( 4 ) « حزونة » ( ولها معنى المصدر واسم المصدر ) بمعنى الصعوبة ، وقد وردت في الخطبة بمعنى المشاكل والصعاب .